كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 250
وقالت : من كان يقول لإبراهيم : إن سارة ترضع غلاماً وتلد ابناً بعد الكبر ؛ فشب الغلام وفطم وصنع إبراهيم يوم فطم مأدبة عظيمة - ثم أعاد ذكر أمر سارة بإخراج هاجر وإبعادها وأن هذا شق على إبراهيم جداً وقال : فقال الله لإبراهيم : لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك ، فغدا إبراهيم باكراً وأخذ خبزاً وإداوة من ماء فأعطاها هاجر وحملها والصبي والطعام فانطلقت وتاهت في برية بئر سبع - وفي نسخة بئر الحلف ، لأن إبراهيم حالف صاحب تلك الأرض عندها - ونفد الماء من الإداوة فألقت الصبي تحت شجرة من الشيح وانطلقت وجلست قبالته وتباعدت عنه كرمية بسهم كيلا تعاين موته ، فلما صرخ الغلام وبكى سمع الرب صوته فدعا ملاك الرب هاجر من السماء وقال لها : ما لك يا هاجر ؟ لا تخافي ، لأن الرب قد سمع صوت الصبي حيث هو ، قومي فاحملي الصبي وشدي به يديك ، لأني أجعله رئيساً لشعب عظيم ، فجلى الله عن بصرها فرأت بئر ماء ، فانطلقت فملأت الإدوات وسقت الغلام ، وكان الله مع الغلام فشب وسكن برية فاران وكان يتعلم الرمي في تلك البرية وزوجته أمه امرأة - انتهى .
وفيه إن هذا الكلام في إخراج هاجر وولدها ظاهره مناقض لما تقدم في ختان إسماعيل عليه السلام ، فإن فيه أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة ، وهذا ظاهره أنه كان رضيعاً ، وفي الحديث الصحيح ( أنه وضعه عند البيت وهو يرضع ) ويمكن حمل هذا عليه بهذا الكلام الأخير .
وأما الأول فلم يقل فيه إنه كان عند الختان ببيت المقدس ، فيمكن أن إبراهيم عليه السلام طوى له الله الأرض بالبراق أو غيره فذهب إلى مكة المشرفة فختنه ثم رجع .
وفيه بشارة بنبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أصرح مما ذكروه وهي قوله : ويتبارك بك جميع قبائل الأرض ، لأن ذلك لم يحصل بأحد من أولاد إبراهيم عليه السلام إلا بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقد أثبت البركة به ( صلى الله عليه وسلم ) والخير في غالب قبائل الأرض ، ويكون الباقي بعد نزول عيسى عليه السلام .
وكذا قوله : ويده في جميع الناس - إلى آخره ، لأن إسماعيل عليه السلام لم ينقل أحد أن يده كانت على جميع الناس ، ولا حل على جميع حدود إخوته ، ولا اتصف من أولاده أحد بهذا الوصف غلا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ثم رأيت في شرح المقاصد للشيخ سعد الدين التفتازاني وشرح الصحائف للإمام السمرقندي التنبيه على هذا النص .

الصفحة 250