كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)
صفحة رقم 257
أحسن من الله ) أي الذي له الكمال كله ) صبغة ( لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم ، وتلك صبغة جسم لا تنفع ، وفيه إفهام بما يختص به الذين آمنوا من انقلاب جوهرهم نوراً ، كما قال عليه الصلاة والسلام : اللهم اجعلني نوراً فكان ما انقلب إليه جوهر الأئمة انصبغت به قلوب الأمة ) ونحن له ) أي خاصة ) عابدون ( تكملة لرد الخطاب على خطاب عهد إسرائيل حيث قال :
77 ( ) ما تعبدون من بعدي ( ) 7
[ البقرة : 133 ] إلا أن العبادة في عهد إسرائيل سابقة والإسلام حتم ، والإسلام في هذا التلقين بدء لتقع العبادة شكراً - يختص برحمته من يشاء ، وجاء به بالوصف الثابت الدائم ففيه إشعار بأن أحداً منهم لا يرتد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه ، وهو حظ عام من العصمة الثابت خاصها للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) في عليِّ أمره - انتهى .
ولما أمر تعالى بقوله :
77 ( ) قل بل ملة إبراهيم ( ) 7
[ البقرة : 135 ] وما بعده بإعلام الخصم بالمخالفة وأن لا موافقة إلا بترك الهوى واتباع الهدى أمر بمجادلتهم بما يوهي أقوالهم ويزيح شبههم فقال معرضاً بالخطاب عن الجمع موجهاً له إلى رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) رفعاً لمقامه وتعريفاً بعلي منصبه إعلاماً بأنه لا ينهض بذلك غيره لما لهم من العلم مع ما عندهم من الجدل واللدد : ( قل ( منكراً لمحاجتهم وموبخاً لهم عليها ) أتحاجوننا ( ولما كان الأنسب في المقارعة إعلام الخصم بالمخالفة لأنه أقطع لطمعه وأمكن لغيظه مع أنه هنا أقرب إلى رضى الخالق قدم علىالمجادلة ، ومعنى قوله : ( في الله ( في اختصاصكم بالملك الذي لا ملك سواه ، لأن له الكمال كله المشار إلى إبطاله فيما سبق بقوله :
77 ( ) قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ( ) 7
[ البقرة : 94 ] أي أتحاجوننا في ذلك ولا وجه لاختصاصكم به ) وهو ) أي والحال أنه ) ربنا وربكم ( نحن وأنتم في العبودية له سواء ) ولنا أعمالنا ( نختص به دونكم ) ولكم أعمالكم ( تختصون بها دوننا ، لا نخاف منه أن يخصكم بأعمالنا ولا بشيء منها لتختصوا بها عنده ولا أن يخصنا بأعمالكم ولا بشيء منها لنبعد بها عنه ظلماً ولا غلطاً ، لأنه السميع العليم الغني الحميد ) ونحن ( أحسن أعمالاً منكم لأنا دونكم ) له ( وحده ) مخلصون ( لا نشرك به شيئاً وأنتم تشركون به عزيراً والمسيح والأحبار والرهبان ، وأنتم تعلمون ذلك في باطن الأمر وإن أظهرتم خلافه ، فلزم قطعاً أنا أخص به منكم ؛ والإخلاص عزل النفس جملة ، فلا يبلغ عبد حقيقته حتى لا يحب أن يحمد على عمل .
ولما كان قد بقي من مباهتاتهم أنهم يدعون أن أسلافهم كانوا على دينهم فيكون دعواهم الاختصاص بالجنة صحيحة أبطلها سبحانه بقوله : ( أم ) أي أرجعوا عن قولهم :
77 ( ) كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ( ) 7
[ البقرة : 135 ] لما ثبت من مخالفة ذلك لملة إبراهيم وآله أم ) تقولون ( ولا يخفى أن