كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)
صفحة رقم 258
التقدير على قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص ورويس بالخطاب : أرجعتم عن قولكم : ( إن إبراهيم ( خليل الله ) وإسماعيل وإسحاق ( ابنيه ) ويعقوب ( ابن إسحاق ) والأسباط ( أولاد يعقوب ) كانوا هوداً أو نصارى ( لتصح دعواهم في أن الجنة خالصة لأهل ملتهم ، فكأنه قيل : فما يقال لهم إن قالوا ذلك ؟ فقيل : ( قل أنتم أعلم ( بذلك وبغيره ) أم الله ( الذي له الإحاطة كلها أعلم ، فلا يمكنهم أن يقولوا : نحن ، وإن قالوا : الله ، فقد برّأ إبراهيم من ذلك فبطل ما ادعوا .
ولما كان العلم عندهم عن الله بأن الخليل ومن ذكر معه عليهم السلام على دين الإسلام وكانوا يكتمون ما عندهم من ذلك مع تقرير الله لهم واستخبارهم عنه ونهيه لهم عن كتمانه وما يقاربه بقوله :
77 ( ) ولا تلبسوا الحق بالباطل ( ) 7
[ البقرة : 42 ] وكان التقدير : فمن أظلم ممن ادعى أنه أعلم من الله بدعواه ذلك صريحاً أو لزومه له بإخباره بخلاف ما ثبت في القرآن المعلوم صدقه بإعجازه قال تعالى عطفاً على هذا المقدور : ( ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده ) أي موجودة ومودعة عنده ) من الله ) أي كتمها من الملك الأعظم ، أو هي عنده منه وهو يستخبره عنها مع علمه بأنه فاضحه لأنه العالم بالسرائر .
ولما كان التقدير : فإنه يعلم ما عمله من كتمانه عطف عليه ما هو أعم منه فقال : ( وما الله ( المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ) بغافل عما تعلمون ( إشعاراً بصيغة المضارع بتماديهم بعد هذا كله على سوء أعمالهم وتحذيراً من مثل ذلك .
ولما لم يدع لهم متمسكاً من جهة إبراهيم عليه السلام أتبع ذلك الإشارة على تقدير صحة دعواهم إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان لا مع ما قرره لأحد من خلقه فإنه لا حجر عليه ولا اعتراض بل له أن يأمر اليوم بأمر وغداً مثلاً بضده وأن يفعل ما يشاء من إحكام ونسخ ونسيء وإنساء فقال : ( تلك أمة ) أي إبراهيم وآله ) قد خلت ) أي فهب أنهم على ما زعمتم فقد مضوا وقدم زمانهم فلا ينفعكم إلا ما تستجدونه في وقتكم هذا بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض أحمرهم وأسودهم ، ويجوز أن يقال : لما كان مضمون ما سبق من إثبات الأعلمية لله وكتمانهم الشهادة بما عندهم ثبوت ما أخبر به سبحانه على لسان هذا النبي الكريم من كون أصفيائه على دينه الإسلام فهم برآء منهم كان المعنى : إن ادعيتم بهتاً أن العلم جاءكم عن الله بما ادعيتموه قيل : إن من تدعون عليه ذلك من الأنبياء قد انقضت معجزته بموته ، وكتابكم غير مأمون عليه التحريف والتبديل لكونه غير معجز ، وهذا النبي الآتي بالقرآن قائم بين أظهركم وهو يخبركم عن الله بكذب دعواكم ، ويؤيد قوله بالمعجزات التي منها هذا القرآن الذي عجزت العرب كلها عن الإتيان بسورة من مثله وأنتم كذلك مع مشاركتكم لهم في الفصاحة نظماً ونثراً واختصاصكم عنهم بالعلم فلزمكم قبوله ، لأنكم لا تستندون في ترويج كذبكم بعد