كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 260
الحق وقال : ( السفهاء ( ولم يقل : سيقولون ، إظهاراً للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول الظاهر عواره لأهل كل دين والسفيه الذي يعمل بغير دليل ، إما بأن لا يلتفت إلى دليل فلا يتوقف إلى أن يلوح له بل يتبع هواه ، أو يرى غير الدليل دليلاً ، وأكد الوصف بالطيش بقوله : ( من الناس ( المأخوذ من النوس وهو التحرك ، دون أن يقول : من أهل الكتاب ، أو بني إسرائيل - ونحو ذلك تصريحاً بذمهم وتعميماً لكل من مالأهم على ذلك ) ما ولاهم ( ولم يقولوا : مَن ، زيادة في الأذى بالاحتقار ) عن قبلتهم ( .
قال الحرالي : القبلة ما تجعل قبالة الوجه ، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه ) التي كانوا عليها ) أي بيت المقدس ، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضاً ليصير المعنى : إن كانوا انتقلوا عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون في رجوعهم وإلا فهم في كل حال أتباع الهوى ؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحداً من الثابتي الإيمان ، كما قالوا فيما تقدم :
77 ( ) كونوا هوداً أو نصارى ( ) 7
[ البقرة : 135 ] ونحوه علماً منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة ؛ ولذا جاء جوابهم بقوله : ( قل ( خالياً عن خطاب لا كما مضى في قوله :
77 ( ) قل أتخذتم عند الله عهداً ( ) 7
[ البقرة : 80 ]
77 ( ) قل هاتوا برهانكم ( ) 7
[ البقرة : 111 ] ونحوه ؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من أعلام النبوة وجلائل الرسالة ؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء ، فكان منهم على وفق الخبر ؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى شبهة في التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك ؛ هذا مع توطئة لذلك فيما سلف في خمسة مواضع : تحريفهم لكلام الله ، وإيقاعه النسخ واستدلاله على حسن فعله ، وإخباره بظلم مانع المسجد ، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى ، وذكره بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى ؛ مع ما في ذلك من توطين نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة ، ليكون أقطع للخصم وأكسر لشوكته وأردّ لشغبه .
وتسميتهم سفهاء ناظر غلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم
77 ( ) ألا إنهم هم السفهاء ( ) 7
[ البقرة : 13 ] ، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق عليه من جهة أخرى وهو أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان ، أظهروا التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه ، وأيضاً فإذا كان المنافقون الذين أظهروا حسناً سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهراً وباطناً أسفه : وإلى قوله قريباً
77 ( ) ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ( ) 7
[ البقرة : 130 ] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة .
وقال : ( لله ) أي الملك المحيط بكل شيء عظمة وعلماً

الصفحة 260