كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 261
) المشرق والمغرب ( مخصصاً لهما لكونهما مجمعي الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه جهة دون أخرى فما أمر به فهو الحق .
ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة إليه سواء لأنها ملكه ، على أن من توجه إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه وذلك هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفاً بقوله معظماً لأهل الإسلام ومعرفاً بعنايته بهم : ( يهدي إليه من يشاء ) أي من عباده ، وعظم الكعبة بقوله : ( إلى صراط المستقيم ( في أي جهة كانت ، فمتى سلكه وصل إلى المقصود من غير ضلال ، ونكّره لأن المراد به جزئيات من الشريعة ؛ وأما الصراط المعرف في الفاتحة فالمراد به الشريعة كلها بما دلت عليه ( أل ) من الكمال .
ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور فيها فاتبع ذلك قوله : ( وكذلك ) أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطاً لأنها إلى البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه السلام هو أوسط الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى ) جعلناكم ( بالهداية إليه في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به ) أمة ( .
قال الحرالي : من الأم وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول ، فالإمام والأمة كالمتقابلين ، الإمام قاصد أمماً ، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها ، والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى .
) وسطاً ) أي شريفة خياراً ، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء ، فهو خيار الشيء .
قال أبو تمام الطائي .
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا
وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الغلط ، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد ؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت حججهم ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة ؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة ، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلاً ، وكذا كان ظرفاً ، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به ، ولا يصح شيء من هذا في الساكن - قاله الأصبهاني .
ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر : وسط ، وطس ، سوط ، سطو ، طوس ، طسو ، طيس ، طسى ، سيط سطأ طسأ ، تدور على العدل السواء الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي ، ويلزم أن يكون أعلى من غيره ، لأن أكثر المخلوقات كُريّ ؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى ، ولأن كل

الصفحة 261