كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 265
وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة ) لرؤوف ) أي فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به ، فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير عطف العاطف على من لم يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، قال : والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم ، وقال في شرح الأسماء : إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يُستدعى العفو لأجله على علنه - انتهى .
وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه ) رحيم ( لمن يشاء ولولم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعاً أشد ما كان بها اعتلاقاً فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق من العالي إلى الأعلى ، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب ، فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له ( صلى الله عليه وسلم ) بأنه يقر عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلاً والإقبال لمن كان مدبراً .
وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم الحقيقي في الطريق المحمدي باتباع الكل له ( صلى الله عليه وسلم ) والله أعلم ؛ ويجوز أن يكون تعليلاً للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس ، لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا .
ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة فتوقعوا الخبر عن ذلك وبين رأفته ورحمته بالناس عموماً بين ذلك برسوله خصوصاً بأن تحويله إلى الكعبة رأفة منه به ورحمة له مع ما تقدم من فوائده فقال تعالى : ( قد نرى تقلب وجهك ( قال الحرالي : فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمراً أو خبراً يفيد مع المستقبل ندرة الوقوع ، ففيه إعلام بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس حين كان هو رسولاً لكافة الناس وكان ( صلى الله عليه وسلم ) على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام يكتفي بعلم الله به عن مسألته ، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة وللمكتفين بعلم الله عبادة أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه على ما تشعر به ) قد ( بالتقليل للتقلب وللرؤية ) في السماء ( فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء بوجه الداعي ، كما اختص غيب القلوب بوجهه المصلي ، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه ، ولا يرفع طرفه إلى السماء ( ولينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم )

الصفحة 265