كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)
صفحة رقم 270
نعوته معرفة لا يكون فيها لكونها عن الله الذي لا خلف في قوله ، فبذلك صاروا يعرفون صحة هذا التحويل هذه المعرفة ، وذلك كما أنهم لا يشكون في شيء مما تقع به المعرفة لأبنائهم لشدة ملابستهم لهم ؛ والحاصل أن معرفتهم بنبوته تزيدهم في المعرفة بحقية التحويل بصيرة لأنه من نعته ، ومعرفتهم بأمر التحويل يثبتهم في حقية نبوته لكونه مما ثبت منها ، ولذلك قال الحرالي : في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره ، لأن العارف بالشيء هو الذي كان له به إدراك ظاهر بأدلة ثم أنكره لاشتباهه عليه ثم عرفه لتحقق ذكره لما تقدم من ظهوره في إدراكه ، فلذلك معنى المعرفة لتعلقها بالحس وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر ؛ وإنما لم تجز في أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة ، ولذلك يقال المعرفة حد بين علمين : علم على تشهد الأشياء ببواديها ، وعلم دون يستدل على الأشياء بأعلامها ؛ وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كياناً كياناً إلى ظهوره ، ولو لم يكن شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل الشدائد من أرض الحجاز لارتقابه وانتظاره
77 ( ) فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ( ) 7
[ البقرة : 89 ] وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه لاعتلاقه بفؤاده ، ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه ) وإن فريقاً منهم ) أي أهل الكتاب ) ليكتمون الحق ) أي يخفونه ولا يعلنونه .
ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند الكتمان قال : ( وهم يعلمون ) أي إنه حق وأنهم آثمون بكتمانه ، فجعلهم أصنافاً : صنفاً عرفوه فاتبعوه ، وصنفاً عرفوه فأنكروه كما في إفهامه وفريقاً علموه فكتموه ؛ وفي تخصيص هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين حال من يعرف وحال من يعلم ، فلذلك كانوا ثلاثة أصناف : عارف ثابت ، وعارف منكر هو أردؤهم ، وعالم كاتم لاحق به ؛ وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار بتماديهم في العالم وتماديهم في الكتمان .
ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخقل بما شاء منهم من هدى وفتنة لتظهر فيها رحمته ونقمته وهو الحق الذي هو ماضي الحكم الذي جبلّة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) تتقاضى التوقف فيه لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم الوصية خاطبه الحق بقوله : ( الحق ) أي هذا التفريق والتصنيف الموجب لعمارات درجات الجنة وعمارات دركات النار هو الحق ، أو يكون المعنى : الحق الذي أخبرت به في هذه السورة أو الآيات ، أو جنس الحق كائن ) من ربك ) أي المحسن إليك بطرد من يضر اتباعه كما هو محسن إليك بالإقبال بمن ينفع اتباعه ) فلا تكونن من الممترين ( فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين الواقعة منه فيما بين الفضل والعدل والواقعة من غيره فيما بين الجور والعدل انتهى .
وفيه