كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 356
والأحوال غير حال الصوم خص من سائر الأحوال الاعتكاف ومن الأماكن المساجد فعقب ذلك بأن قال : ( ولا تباشروهن ) أي في أي مكان كان ) وأنتم عاكفون ) أي بايتون مقيمون أو معتكفون ، ومدار مادة عكف على الحبس أي وأنتم حابسون أنفسكم لله ) في المساجد ( عن شهواتها بنية العبادة و ) في المساجد ( ظرف لعاكفون ، فتحرم المباشرة في الاعتكاف ولو في غير المسجد ، وتقييد الاعتكاف بها لا يفهم صحته في غير مسجد ، فإنه إنما ذكر لبيان الواقع ليفهم حرمة الجماع في المساجد ، لأنه إذا حرم تعظيماً لما هي سبب لحرمته ومصححة له كانت حرمته تعظيماً لها لنفسها أولى ، أو يقال وهو أحسن : لما كان معنى العكوف مطلق الحبس قيده بالمسجد ليفهم خصوص الاعتكاف الذي هو الحبس عبادة ، فصار كأنه قال : وأنتم معتكفون ، هذا معنى المبتدأ والخبر وما تعلق به ، وكأنه جرّد الفعل ليشمل ما إذا كان اللبث في المسجد بغير نية ، والحاصل أنه سبحانه وتعالى سوى بين حال الصوم حال الاعتكاف في المنع من الجماع ، فإن اجتمعا كان آكد ، فإن الاعتكاف من كمال الصوم وذلك علىوجه منع من المباشرة في المسجد مطلقاً .
قال الحرالي : وإنما كان العاكف في المسجد مكملاً لصومه لأن حقيقة الصوم التماسك عن كل ما شأن المرء أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه فإذا المعتكف المتماسك عن التصرف كله إلاّ ما لا بد له من ضرورته والصائم المكمل صيامه والمتصرف الحافظ للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن اعتدى عليه هو المتمم للصيام ، ومن نقص عن ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه فليس بمتمم للصيام ، فمن أطلق لسانه وأفعاله فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ، فإذا حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته حتى ثبت معناه للأكل ليلاً ونهاراً ، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من صام رمضان وأبعه بسبت من شوال فكأنما صام الدهر ) وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صوم الدهر ) وكان بعض أهل الوجهة من الصحابة يقول قائلهم : أنا

الصفحة 356