كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 369
[ البقرة : 158 ] الآية ، و ) مواقيت للناس والحج ( ولا سيما وآيات القتال هذه إنما نظمت ههنا بسببهما توصيلاً إليهما وبعضها سببه عمرة الحديبية التي صدّ المشركون عنها ، فكان كأنه قيل : مواقيت للناس والحد فحجوا واعتمروا أي تلبسوا بذلك وإن صددتم عنه وقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم في وجهكم ذلك لينفتح لكم السبيل ، ولما كان ذلك بعد الفتح ممكناً لا صاد عنه عبر بالإتمام فقال : ( وأتموا ) أي بعد فتح السبيل بالفتح ) الحج والعمرة ( بمناسكهما وحدودهما وشرائطهما وسننهما .
ولما تقدم الإنفاق في سبيل الله والقتال في سبيل الله نبه هنا على أن ذلك كلّه إنما هو لتقام العبادات التي هي مبنى الإسلام له سبحانه وتعالى فقال : ( لله ( الملك الذي لا كفوء له أي لذاته ، ولم يضمر لئلا يتقيد بقيد .
ولما كان سبحانه وتعالى قد أعز هذه الأمة إكراماً لنبيها ( صلى الله عليه وسلم ) فلا يهلكها بعامة ولا يسلط عليها عدواً من غيرها بل جعل كفارة ذنوبها في إلقاء بأسها بينها أومأ إلى أنه ربما يقطعها عن الإتمام قاطع من ذلك بقوله بانياً للمفعول لأن الحكم دائر مع وجود الفعل من غير نظر إلى فاعل معين معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن هذا مما يقل وقوعه : ( فإن أحصرتم ) أي منعتم وحبستم عن إتمامها ، من الإحصار وهو منع العدو المحصر عن متصرفه كالمرض يحصره عن التصرف في شأنه - قاله الحرالي ) فما ) أي فالواجب على المحصر الذي منع عن إكماله تلافياً لما وقع له من الخلل في عملهما ) استيسر ) أي وجد يسرة على غاية السهولة حتى كأنه طالب يسر نفسه ، واليسر حصول الشيء عفواً بلا كلفة ) من الهدي ( إذا أراد التحلل من الحج والعمرة من الإبل والبقر والغنم يذبحه حيث أحصر ويتصدق به وقد رجع حلالاً ولما كان الحاج هو العشث التفل أشار غلى حرمة التعرض لشعره بقوله : ( ولا تحلقوا رؤوسكم ) أي شعرها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة ، من الحلق .
قال الحرالي : وهو إزالة ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في عمله ، والرأس مجتمع الخلقة ومجتمع كل شيء رأسه - انتهى .
) حتى يبلغ ( من البلاغ وهو الانتهاء إلى الغاية ) الهدي ) أي إن كان معكم هدي ) محله ) أي الموضع الذي يحل ذبحه فيه ، إن كنتم محصرين فحيث أحصرتم وإلا فعند المروة أو في منى ونحوهما .
قال الحرالي : والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى وهو اسم ما يتخذ فداء من الأنعام بتقديمه إلى الله سبحانه وتعالى وتوجيهه إلى البيت العتيق ، وفي تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد وهو الفداء ، والهدي في الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله سنة إبراهيم في ولده عليهما الصلاة والسلام ، وإزالة الشعر فداء من

الصفحة 369