كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 378
بياناً لم يبينه لأحد كان قبلكم ووفقكم للعمل عطف عليه قوله : ( وإن ) أي فإنكم ) كنتم ( ولما كانوا قبل عمرو بن لُحَيّ على هدى فكان منهم بعد ذلك المهتدي كزيد ابن عمرو و ورقة بن نوفل فلم يستغرق زمانهم بالضلال أثبت الجار فقال : ( من قبله ) أي الهدى الذي جاءكم به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) لمن الضالين ( عن سنن الهدى ومواقف الأنبياء علماً وعملاً حيث كنتم تفيضون من المشعر الحرام .
ولما قبح عليهم ما كانوا عليه من المخالفة في الوقوف بالنسبة إلى الضلال بالجملة الاسمية مؤكدة بأنواع التأكيد وكان ما مضى من ذكر الإفاضة ليس بقاطع في الوجوب أشار لهم إلى تعظيم ما هداهم له من الموافقة بأداة التراخي فقال عاطفاً على ما تقديره : فلا تفيضوا من المشعر الحرام الإفاضة التي كنتم تخالفون فيها الناس دالاً على تفاوت الإفاضتين وبعد ما بينهما على وجه معلم بالوجوب : ( ثم ) أي بعد طول تلبسكم بالضلال أنزلت عليكم في هذا الذكر الحكيم الذي أبيتموه وهو عزكم وشرفكم لا ما ظننتم أنه شرف لكم بالتعظم على الناس بمخالفة الهدى في الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها ) أفيضوا ) أي إذا قضيتم الوقوف .
وقال الحرالي : لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم كما كان للكيان ترتيب للأسبق فالأسبق كان حرف المهلة الذي هو ثم ، يقع تارة لترتيب الكيان وتارة لترتيب الإخبار فيقول القائل مثلاً : امش إلى حاجة كذا - تقديماً في الخبر الأهم - ثم ليكن خروجك من موضع كذا ، فيكون السابق في الكيان متأخراً بالمهلة في الإخبار ، فمن معنى ذلك قوله - انتهى .
ثم أفيضوا أيها الحمس ) من حيث أفاض الناس ) أي معظمهم وهو عرفات ، إلى المشعر الحرام لتبيتوا به ، وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمعون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه وتعالى ) ثم أفيضوا ( ) الآية ، ) واستغفروا الله ) أي اطلبوا من ذي الجلال والإكرام أن يغفر لكم ما كنتم تفعلونه أيام جاهليتكم من مخالفة الهدى في الوقوف وما يبقى في الأنفس من آثار تلك العادة ومن غير ذلك من النقائص التي يعلمها الله منكم .

الصفحة 378