كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 402
إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا الخطاب من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - انتهى .
ولما رغبهم سبحانه وتعالى في الجهاد بما رجالهم فيه من الخير رهبهم من القعود عنه بما يخشى فيه من الشر .
قال الحرالي : فأشعر أن المتقاعد له في تقاعده آفات وشر في الدنيا والآخرة ليس أن لا ينال خير الجهاد فقط بل وينال شر التقاعد والتخلف - انتهى .
فقال تعالى : ( وعسى أن تحبوا شيئاً ) أي كالقعود فتقبلوا عليه لظنكم أنه خير لكم ) وهو ) أي والحال أنه ) شر لكم ( لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر وليس أحد منكم إلا قد جرب مثل ذلك مراراً في أمور دنياه ، فإذا صح ذلك في فرد صار كل شيء كذلك في إمكان خيريته وشريته فوجب ترك الهوى والرجوع إلى العالم المنزه عن الغرض ولذلك قال عاطفاً على ما تقديره : فالله قد حجب عنكم سر التقدير ) والله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ) يعلم ) أي له علم كل شيء وقد أخبركم في صدر هذا الأمر أنه رؤوف بالعباد فهو لا يأمركم إلا بخير .
وقال الحرالي : شهادة بحق العلم يرجع إليها عند الأغبياء في تنزل الخطاب - انتهى .
والآية من الاحتباك ذكر الخير أولاً دال على حذفه ثانياً وذكر الشر ثانياً دال على حذفه مثله أولاً .
ولما أثبت سبحانه وتعالى شأنه العلم لنفسه نفاه عنهم فقال : ( وأنتم لا تعلمون ] أي ليس لكم من أنفسكم علم وإنما عرض لكم ذلك من قبل ما علمكم فثقوا به وبادروا إلى كل ما يأمركم به وإن شق .
وقال الحرالي : فنفى العلم عنهم لكلمة ( لا ) أي التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب
77 ( ) وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ( ) 7
[ الإسراء : 85 ] قال من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم ، وأما المؤمنون أي الراسخون فقد علمهم الله من علمه ما علموا أن القتال خير لهم وأن التخلف شر لهم - انتهى .
حتى أن علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب ، ( حتى شاورهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في التوجه إلى غزوة بدر ) فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن ، ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن ، ثم قام المقداد رضي الله تعالى عنه فقال : يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى :
77 ( ) فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ( ) 7
[ المائدة : 24 ] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ؛ فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خيراً ودعا له ، ثم قال

الصفحة 402