كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)
صفحة رقم 463
الآيات من قوله : ( ألم تر ( ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة حتى لا يفروا من الموت فرار من قبلهم ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا نزل الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه ) وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم بما يكون من عزمهم كما أظهر الله تعالى مزيتهم على من قبلهم بما آتاهم من فضله ورحمته التي لم ينولها لمن قبلهم - انتهى .
ولما كانت مفارقة الأوطان مما لا يسمح به نبه بذكره على عظيم ما دهمهم فقال : ( إلى الذين خرجوا ) أي ممن تقدمكم من الأمم ) من ديارهم ( التي ألفوها وطال ما تعبوا حتى توطنوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به على الموت ) وهم ألوف ) أي كثيرة جداً تزيد على العشرة بما أفهمه جمع التكثير .
قال الحرالي : فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد وإنما كان من جزع أنفس فأعلم سبحانه وتعالى أن الحذر لا ينجي من القدر وإنما ينجى منه كما قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الدعاء ( إن الدعاء ليلقي القدر فيعتلجان إلى يوم القيامة ) انتهى .
) حذر الموت ( فراراً من طاعون وقع في مدينتهم أو فراراً من عدو دعاهم نبيهم إلى قتاله - على اختلاف الرواية - ظناً منهم أن الفرار ينجيهم .
ودل سبحانه وتعالى على أن موتهم كان كنفس واحدة بأن جعلهم كالمأمور الذي لم يمكنه التخلف عن الامتثال بقوله مسبباً عن خروجهم على هذا الوجه : ( فقال لهم الله ) أي الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه طالب لأن له الكمال كله ) موتوا ) أي فماتوا أجمعون موت نفس واحدة لم ينفعهم حذرهم ولا صد القدر عنهم علمهم بالأمور وبصرهم إعلاماً بأن من هاب القتال حذر الموت لم يغنه حذره مع ما جناه من إغضاب