كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)
صفحة رقم 468
ولما أمرهم بعد ما حذرهم رغبهم ورهبهم بقوله : ( واعلموا ( منبهاً لهم لأن يلقوا أسماعهم ويحضروا أفهامهم لما يلقى عليهم ) أن الله ) أي الذي له القدرة الكاملة والعلم المحيط ) سميع ( لما تقولون إذا أمرتم بما يكره من القتال ) عليم ( بما تضمرون من الإعراض عنه والإقبال فهو يجازيكم على الخير قولاً وعملاً ونية ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفاً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وعلى السيئة بمثلها إن شاء
77 ( ) ولا يظلم ربك أحداً ( ) 7
[ الكهف : 49 ] .
ولما كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثق دعائم الجهاد وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديان كرر الحث عليها على وجه أبلغ تشويقاً مما مضى فقال على هيئه الممتحن للصادق ممن أمره وحذره وأنذره : ( من ذا الذي ( منك يا من كتب عليهم القتال والخروج عن الأنفس والأموال ) يقرض الله ( الذي تفرد بالعظمة ، وهو من الإقراض أي إيقاع القرض ولذا قال : ( قرضاً ( وشبه سبحانه وتعالى العمل به لما يرجى عليه من الثواب فهو كالقرض الذي هو بذل المال للرجوع بمثله ، وعبر به لدلالته على المحبة لأنه لا يقرضك إلا محب ، ولأن أجره أكثر من أجر الصدقة ) حسناً ) أي جامعاً لطيب النفس وإخلاص النية وزكاء المال .
وقال الحرالي : القرض الجزّ من الشيء والقطع منه ، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعاً مضاعفة ، والقرض بين الناس قرضاً بقرض مثلاً بمثل فمن ازداد فقد أربى ومن زاد من غير عقد ولا عهد فقد وفى ، فالقرض مساواة والربا ازدياد ، ووصف سبحانه وتعالى القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون المعاملة بذلة على وجه الإحسان الذي هو روح الدين وهو أن يعامل الله به كأنه يراه - انتهى .
ولما كانت الأنفس مجبولة على الشحّ بما لديها إلا لفائدة رغبها بقوله مسبباً عن ذلك : ( فيضاعفه ( قال الحرالي : من المضاعفة مفاعلة من الضعف - بالكسر - وهي ثني الشيء بمثله مرة أو مرات ، وأزال عنه ريب الاحتمال بقوله : ( له ) أي في الدنيا والآخرة .
قال الحرالي : هذه المضاعفة أول إنبائها أن الزائد ضعف ليس كسراً من واحد المقرض ليخرج ذلك عن معنى وفاء القضاء فإن المقترض تارة يوفي على الواحد كسراً من وزنه ، ( كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا يقترض قرضاً إلا وفى عليه زيادة ، وقال : خير الناس أحسنهم قضاء ) فأنبأ الله تعالى أن اقتراضه ليس بهذه المثابة بل بما هو فوق ذلك لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله غلى ما يقال فيه الكثرة ؛ وفي قوله : ( أضعافاً ( ما يفيد أن