كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 485
البقرة : ( 253 - 254 ) تلك الرسل فضلنا. .. . .
) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( ( )
ولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه ( صلى الله عليه وسلم ) منهم تشوفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو هم متفاضلون ، فأشار إلى علو مقادير الكل في قوله : ( تلك الرسل ( بأداة البعد إعلاماً ببعد مراتبهم و علو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي لا يرام ، وجعل الحرالي التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي هي إشارة المذكر توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها وقال : يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث وإنما هو في العربية لجماعة ثانية في الرتبة ، لأن التأنيث أخذ الثواني عن أولية تناسبه في المعنى وتقابله في التطرق ، قال : ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه أطلق عن علامة الثاني في الرتبة وإشارته ، ومتى أريد إنزاله قيد بعلامة الثاني وإشارته ، ثم قال : ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع كما أنه لما كان الذكر واقعاً في محل إعلاء في آية الأنعام قيل : ( ) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ( ) [ الأنعام : 90 ] ولما كان شأن الاختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال وطأ لهذا الواقع بعد الرسل بأنه ليس من ذلك وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل وإبلاغ البينات لما يشاؤه من أمره - انتهى .
ثم أتبع هذه الإشارة حالاً منها أو استئنافاً قوله : ( فضلنا بعضهم على بعض ) أي بالتخصيص بمآثر لم تجتمع لغيره بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة .
ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل وأكثر ذلك في اتباع موسى عليه الصلاة والسلام بدأ بوصفه وثنى بعيسى عليه الصلاة والسلام لأنه الناسخ لشريعته وهو آخر أنبيائهم فقال مبيناً لما أجمل من ذلك التفضيل بادئاً بدرجة الكلام لأنها من أعظم الدرجات لافتاً القول إلى مظهر الذات بما لها من جميع الصفات لأنه أوفق للكلام المستجمع للتمام ) منهم من كلم الله ) أي بلا واسطة بما له من الجلال كموسى ومحمد وآدم عليهم الصلاة والسلام ) ورفع بعضهم ( وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) على غيره ، ومن فوائد الإبهام الاستنباط بالدليل ليكون مع أنه أجلى أجدر بالحفظ وذلك الاستنباط أن يقال إنه

الصفحة 485