كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)
صفحة رقم 491
يعمل إرادة الذي في السماوات أي أمره ، كثيرون يقولون لي في ذلك اليوم : يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا الشياطين وباسمك صنعنا آيات كثيرة فحينئذ أعترف لهم أني ما أعرفكم قط ، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم .
وقال لوقا : فقال له واحد : يا رب قليل هم الذين ينجون فقال : احرصوا على الدخول من الباب الضيق ، فإني أقول لكم إن كثيراً يريدون الدخول منه فلا يستطيعون ، فإذا قام رب البيت يغلق الباب فعند ذلك يقفون خارجاً ويقرعون الباب ويقولون : يا رب يا رب افتح لنا ، فيجيب : لا أعرفكم ، من أين أنتم ؟ فيقولون : أكلنا قدامك وشربنا ، فيقول : ما أعرفكم ، من أين أنتم ؟ تباعدوا عني بأعمال الظلم ، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان .
قال متى : كل من يسمع كلماتي هذه ويعمل بها يشبه رجلاً عاقلاً بنى بيته على الصخرة .
وقال لوقا : بنى بيتاً وحفر وعمق ووضع الأساس على صخرة ، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فلم يسقط ، لأن أساسه ثابت على الصخرة ، وكل من يسمع كلماتي هذه ولا يعمل بها يشبه رجلاً جاهلاً بنى بيته على الرمل ، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيماً .
وكان لما أكمل يشوع هذه الكلمات بهت الجميع من تعليمه ، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كمثل كتابهم .
وفيه مما يمتنع إطلاقه في شرعنا لفظ الأب والرب وسيأتي في آل عمران ما يشفي العليل في تأويل مثل ذلك على تقرير صحته .
وكل ما ورد من وصف الأنبياء بالكذبة فالمراد به المدعي للنبوة كذباً .
ولما تقدم أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً وأنزل معهم كتباً ، وأنهم تعبوا ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى جمعوا الناس على الحق ، وأن أتباعهم اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات كان مما يتوجه النفس للسؤال عنه سبب اختلافهم ، فبين أنه مشيئته سبحانه وتعالى لا غير إعلاماً بأنه الفاعل المختار فكان التقدير : ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساوى بين الرسل في الفضيلة ، ولو شاء لساوى بين أتباعهم في قبول ما أتوا به فلم يختلف عليهم اثنان ، ولكنه لم يشأ ذلك فاختلفوا عليهم وهم يشاهدون البينات ، وعطف عليه قوله تسلية لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) لافتاً القول إلى التعبير بالجلالة إشارة إلى أن الاختلاف مع دلالة العقل على أنه لا خير فيه شاهد للخالق بجميع صفات الجلال