كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 497
القيوم ) انتهى .
ثم بين جميع ما مضى بقوله : ( يعلم ما بين أيديهم ) أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم .
قال الحرالي : أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم ، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه ، وما علمه أيضاً فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه ) وما خلفهم ( وهو ما لم ينله علمهم ، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس ، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى .
ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما أفاض عليهم بحلمه فقال : ( ولا يحيطون بشيء ) أي قليل ولا كثير ) من علمه إلا بما شاء ( فبان بذلك ما سبقه ، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة ، فكان كل شيء في قبضته ، فكان منزهاً عنا لكفوء متعالياً عن كل عجز وجهل ، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلاّ بإذنه لأنه يسبب له ما يمنعه مما لا يريده .
ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصوراً لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم : ( وسع كرسيه ( ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة والكرس الذي هو البول والبعر الملبد مأخوذ من ذلك .
وقال الأصفهاني : الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد .
وقال الحرالي : معنى الكرس هو الجمع ، فكل ما كان أتم جمعاً فهو أحق بمعناه ، ويقال على المرقى للسرير الذي يسمى العرش الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء : كرسي ، ثم قال : والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها موجودات الأشياء كلها ، فما في الأرض صورة إلاّ ولها في الكرسي مثل ، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته ، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته ، فكان الوجود مثنياً كما كان القرآن مثاني إجمالاً وتفصيلاً في القرآن ومداداً وصوراً في الكون ، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات وانبهام صورة المداديات بنسبة ما بين السماء وما منه ، وجعل وسع الكرسي وسعاً واحداً حيث قال : ( السماوات والأرض ( ولم يكن وسعان لأن الأرض في السماوات والسماوات في الكرسي

الصفحة 497