كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)
صفحة رقم 504
نفس الإحياء ربما خفيت أو طالت رأى أن يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما هو أجلى من ذلك ، وفيه أنه دون ما ادعاه بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح على صورة بعد أيجادها من العدم بأن ) قال إبراهيم ( وقال الحرالي : ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة الحجة الملبسة كما قال تعالى
77 ( ) فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً ( ) 7
[ الكهف : 53 ] نقل المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس
77 ( ) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ( ) 7
[ فصلت : 53 ] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي طيه تقرير الأول لأن الروح شمس البدن فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس الروح من حيث غربت فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال تعالى : ( فإن ( بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعاراً لتتمة الحجة الأولى بالحجة الثانية - انتهى .
أي تسبب عن دعواك هذه أو أقول لك : إن ) الله ( بما له من العظمة والجلال باستجماع صفات الكمال ) يأتي بالشمس ) أي وهو الذي أوجدها ) من المشرق ) أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور ) فأت بها ( أنت ) من المغرب ( ولو يوماً واحداً .
قال الحرالي : إظهاراً لمرجع العالم بكليته إلى واحد ، وأن قيوم الإنسان في الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق في طلوع الشمس وغروبها ، وفي لحنه إشعار بأن الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى .
) فبهت ( قال الحرالي : من البهت وهو بقاء الشيء على حاله وصورته لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك أنه بهت ) الذي كفر ) أي حصل له الكفر لتلك الدعوى التي لزمه بها إنكاره لاختصاصه سبحانه وتعالى بالقدرة على ذلك وادعاؤه لنفسه الشركة ، فبين له الخليل عليه الصلاة والسلام بهذا المثال أنه عاجز عن تحويل صورة صورها الله سبحانه وتعالى ووضعها في دهة إلى غير تلك الجهة فكيف له بأن يوجد صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة الروح عليها فكيف بالروح الحساسة فكيف بالروح الناطقة وسيأتي لهذا الشأن في سورة الشعراء مزيد بيان ، فيالله ما أعلى مقامات الأنبياء وما أصفى بصائرهم وما أسمى درجاتهم وأزكى عناصرهم عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة والسلام وأعلى التحية والإكرام .
وقال الحرالي : فعرفه أ في قوله : ( كفر ( بوصفه من حيث دخل عليه البهت منه - انتهى .
أي لأنه ستر ما سعلمه من عجز نفسه وقدرة خالقه ، فكشف سبحانه وتعالى بلسان خليله ( صلى الله عليه وسلم ) الستر الذي أرخاه كشفاً واضحاً وهتكه بعظيم البيان هتكاً فاضحاً .