كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)
صفحة رقم 509
كان أمر منزل القرآن إقامة الدين بمكتوبه وحدوده فأنهاه تعالى منتهى منه ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي ورتب على ذلك دين الإسلام الذي هو إلقاء كغلقاء اليد عند الموت انتظم به أمر المعاد الذي لا مدخل للعباد في أمره فرتب سبحانه وتعالى ذكر المعاد في ثلاثة أحوال : حال الجاحد الذي انتهت غايته إلى بهت ، ثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى علم وإيمان ، وأنهى الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين وطمأنينة ورؤية ملكوت في ملكوت الأرض - انتهى ، فقال سبحانه وتعالى : واذ ) قال إبراهيم ( ولقد استولى الترتيب والتعبير في هذه الآيات الثلاث على الأمد الأقصى من الحسن ، فإنها بدئت بمن أراد أن يخفي ما أوضحته البراهين من أمر الإله في الإحياء بأن ادعى لنفسه المشاركة بإحياء مجازي تلبيساً بلفظ غلى الدال على بعده ولعنه وطرده ، ثم بمن استبعد إحياء القرية فأراه الله سبحانه وتعالى كيفية الإحياء الحقيقي آية له وتتميماً للرد على ذلك مع الإقبال عليه بالمخاطبة ولذة الملاطفة ثم بمن سأل إكرام الله تعالى له بأن يريه كيف يحيي فيثبت ثم أثبتت ثم أكدت ، ومناسبة الثلاث بكونها في إحياء الأشباح بالأرواح لما قبلها وهو في إحياء الأرواح بأسرار الصلاح أجل مناسبة ، فالمراد التحذير عن حال الأول والندب إلى الارتقاء عن درجة الثاني إلى مقام الثالث الذي حقيقته الصدق في الإيمان لرجاء الحيازة مما أكرم به ، ولذلك عبر في قصته بقوله واذ ولم يسقها مساق التعطيب كالأول ) رب ) أي أيها المحسن إليّ ) أرني كيف تحيي الموتى ( قال الحرالي : طلب ما هو أهله بما قال تعالى
77 ( ) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ( ) 7
[ الأنعام : 75 ] فمن ملكوت الأرض الإحياء ، فقرره سبحانه وتعالى على تحقيق ابتداء حاله من تقرر الإيمان فقال مستأنفاً : ( قال ( ولما كان التقدير : ألم تعلم أني قادر على الإحياء لأني قادر على كل شيء عطف عليه قوله : ( أو لم تؤمن ( فإن افيمان يجمع ذلك كله ) قال بلى ( فتحقق أن طلبه كيفية الإحياء ليس عن بقية تثبت في الإيمان ، فكان في إشعاره أن أكثر طالبي الكيف في الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم ، ومن طلب لتثبت الإيمان مع أن فيما دون الكيف من الآيات كفايته لم ينتفع بالآية في إيمانه ، لأن كفايتها فيما دونه ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن تمام حده ، فإذا تم الإيمان بحكم آياته التي في موجود حكمة الله في الدنيا بيناته ترتب عليه برؤية ملكوت شهود الدنيا رتبة اليقين ، كما وجد تجربته أهل الكشف من الصادقين في أمر الله حيث أورث لهم اليقين ، ومتى شاركهم في أمر من رؤية الكشف أو الكرامات ضعيف الإيمان طلب فيه تأويلاً ، وربما كان عليه فتنة تنقصه مما كان عنده من حظ من إيمانه حتى ربما داخله نفاق لا ينفك منه إلا أن يستنقذه الله ، فلذلك أبدى تعالى خطاب تقريره