كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 512
يسير من تربيته لهن ، وإذا كانت هذه الأربع مجيبة للخليل عليه السلام بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف تكون إجابة الجملة للجليل العزيز الحكيم قال تعالى : ( ثم اجعل ( عطفاً بكلمة المهلة تجاوزاً بعد تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا يبين في جملتها شيء من الصور الذاهبة ، كما تصير المواليد تراباً عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ذلك من مجاوزة عبرة وروية ) على كل جبل ( من الجبال القريبة إليك ) منهن جزءاً ( والجزء بعض من كل يشابهه كالقطعة من الذهب ونحوه ، فجعل الجبال مثل الأقطار وهي لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه
77 ( ) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ( ) 7
[ يس : 53 ]
77 ( ) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ( ) 7
[ النازعات : 13 ] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في المثل ، كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل وجعله جزءاً حيث كان يشبه بعضه بعضاً ) ثم ادعهن يأتينك سعياً ( والسعي هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس ، والمعنى في إتيان الطائر طائراً حظ من مُنَّته وفي إتيانه سعياً حظ من ذلته ، فلذلك جلبهن عليه سعياً بحال المتذلل الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ألف منها الأمن فبدأ المثل مطابقاً للمثول وغايته مرأى عين ، فصار موقناً مطمئناً وليس ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى إلى خدمة ولده المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) ، ( وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء بعد ما قطعت وجاء يحملها كما ذكر في السير في غزوة بدر ، فصارت مثل أختها ) في أشياء من أمثال ذلك ، على أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران ، وكان لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عدداً كثيراً ، وإنما لم يكثر ذلك على يده ( صلى الله عليه وسلم ) لأنه مرسل إلى قوم لا يقرون بالبعث ، ومحط الإيمان التصديق بالغيب ، فلو كثر وقوع ذلك له ( صلى الله عليه وسلم ) لكشف الغطاء ، وإذا كشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب وهو نبي الرحمة ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأما عيسى عليه الصلاة والسلام فكان في قوم يؤمنون بالآخرة ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه بالطب ، على أنه لا فرق في إظهار الخارق بين واحد وأكثر - والله سبحانه وتعالى الموفق .

الصفحة 512