كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 1)

صفحة رقم 522
وليست به حاجة تدعوه إلى أخذ الرديء ولا رغبكم في أصل الإنفاق لحاجة منه إلى شيء مما عندكم وإنما ذلك لطف منه بكم ليجري عليه الثواب والعقاب ) حميد ( يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محموداً ولا يزال عذب أو اثاب .
قال الحرالي : وهي صيغة مبالغة بزيادة ياء من الحمد الذي هو سواء أمر الله الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه وافق الأنفس أو خالفها .
ولما رغب سبحانه وتعالى في الإنفاق وختم آياته بما يقتضي الوعد من أصدق القائلين بالغنى والإثابة في الدارين أتبعه بما للعدو الكاذب من ضد ذلك فقال محذراً من البخل - في جواب من كأنه قال : هذا ما لا يشك فيه فما للنفوس لا توجد غالباً إلا شحيحة بالإنفاق - : ( الشيطان ) أي الذي اسمه أسوأ الأسماء ، فإنه يقتضي الهلاك والبعد ، وأحد الوصفين كاف في مجانبته فكيف إذا اجتمعا ) يعدكم الفقر ( المانع من الإنفاق .
قال الحرالي : الذي لخوفه تقاطع أهل الدنيا وتدابروا وحرصوا وادخروا .
وكل ذلك لا يزيل الفقر ، كل حريص فقير ولو ملك الدنيا ، وكل مقتنع غني ، ومن حق من كان عبداً لغني أن يتحقق أنه غني يغني سيده ، ففي خوف الفقر إباق العبد عن ربه ؛ والفقر فقد ما إليه الحاجة في وقت من قيام المرء في ظاهره وباطنه - انتهى .
) ويأمركم بالفحشاء ( المبطلة له من المن والأذى وغيرهما من مستلذات الأنفس وربما كان فيها إتلاف الأموال وإذهاب الأرواح .
وقال الحرالي : وكل ما اجتمعت عليه استقباحات العقل والشرع والطبع فهو فحشاء ، وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء ، لمناسبة ذكر الفقر ، وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله انتهى وفيه تصرف .
ولما ذكر ما للعدو من الشر أتبعه سبحانه وتعالى بما له من الخير فقال مصرحاً بما تقدم التلويح به : ( والله ) أي الذي له الأسماء الحسنى و الصفات العلى الرحيم الودود ) يعدكم مغفرة منه ( لما وقع منكم من تقصير ، وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره لما له من الإحاطة بصفات الكمال ولما جبل عليه الإنسان من النقص ) وفضلاً ( بالزيادة في الدارين ، وكل نعمة من فضل ؛ ثم أكد ذلك بقوله : ( والله ) أي المحيط بكل كمال ) واسع ( لتضمنه معنى حليم غني ، وأتبعه بقوله : ( عليم ( إشارة إلى أنه لا يضيع شيئاً وإن دق .
قال الحرالي : وفي إشعاره توهين لكيد الشيطان ووعد كريم للمفتون بخوف الفقر وعمل الفحشاء لما علمه من ضعف الأنفس وسرعة قبولها من الوسواس - انتهى .
فختم آخر آيات الأمثال بما ختم به أولها ترغيباً وترهيباً .

الصفحة 522