كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (اسم الجزء: 1)
إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَيَّ: أَلا يُحِبَّنِي إِلاَّ مُؤمِنٌ، وَلاَ يُبغِضَنِي إِلاَّ مُنَافِقٌ.
رواه مسلم (78)، والترمذي (3737)، والنسائي (8/ 117).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــ
و(قوله: إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ألاَ يُحِبَّنِي إِلاَّ مُؤمِنٌ، وَلاَ يُبغِضَنِي إِلاَّ مُنَافِقٌ) العهد: الميثاق. والأُمِّيُّ: هو الذي لا يَكتُبُ؛ كما قال: إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكتُبُ وَلاَ نَحسُبُ (¬1)، وهو منسوبٌ إلى الأُمِّ؛ لأنَّه باقٍ على أصلِ وِلاَدتها؛ إذ لم يتعلَّم كتابةً ولا حسابًا. وقيل: ينسبَ إلى معظمِ أُمَّةِ العرب؛ إذِ الكتابةُ كانت فيهم نادرةً. وهذا الوصفُ مِنَ الأوصافِ التي جعلها الله تعالى مِن أوصافِ كمال النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ومدَحَهُ بها، وإنَّما كان وصفَ نقصٍ في غيره؛ لأنَّ الكتابةَ والدراسةَ والدّربة على ذلك: هي الطرقُ الموصِّلَةُ إلى العلومِ التي بها تشرُفُ نفسُ الإنسان، ويعظُمُ قَدرُهَا عادةً.
فلمَّا خَصَّ اللهُ تعالى نبيَّنا محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بعلومِ الأوَّلين والآخرين مِن غير كتابة ولا مدارسة، كان ذلك خارقًا للعادة في حقِّه، ومِن أوصافه الخاصَّةِ به، الدالَّة على صدقه، التي نُعِتَ بها في الكُتُبِ القديمة، وعُرِفَ بها في الأممِ السابقة؛ كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتُوبًا عِندَهُم؛ فقد صارت الأُمِّيَّةُ في حقِّه من أعظمِ معجزاتِه، وأجلِّ كراماتِه، وهي في حَقِّ غيره نقصٌ ظاهر، وعجزٌ حاضر؛ فسبحان الذي صيَّر نقصَنَا في حقِّه كمالاَ، وزادَهُ تشريفًا وجلالا.
و(قوله: ألاَ يُحِبَّنِي) بفتح همزة أَلا؛ لأنَّها همزةُ أَنِ الناصبةِ للفعل المضارع، ويَحتمِل: أن تكون المخفَّفةَ من الثقيلة؛ وكذلك روي: يُحِبُّنِي، بضمِّ الباء وفتحها، وكذلك: يُبغِضني؛ لأنَّه معطوفٌ عليه. والضميرُ في إنَّه ضميرُ الأمر والشأن، والجملةُ بعده تفسيرٌ له.
¬__________
(¬1) رواه أحمد (2/ 43 و 52 و 129)، والبخاري (1913)، ومسلم (1080)، وأبو داود (2319 و 2320 و 2321)، والنسائي (4/ 139 و 140) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.