كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (اسم الجزء: 1)
[76] وعَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحنَا الحُرَقَاتِ مِن جُهَينَةَ، فَأَدرَكتُ رَجُلاً، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَطَعَنتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفسِي مِن ذَلِكَ، فَذَكَرتُهُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَقَتَلتَهُ؟ ! ، قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله، إِنَّمَا قَالَهَا خَوفًا مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: أَفَلاَ شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حَتَّى تَعلَمَ أَقَالَهَا أَم لاَ؟ ! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي أَسلَمتُ يَومَئِذٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إيمانَهُ بين الكفَّار، فأُخرِجَ مكرهًا كما كنتَ أنت بمكَّة؛ إذ كنتَ تُخفِي إيمانك. ويَعتَضِدُ هذا التأويلُ: بما زاده البخاريُّ في هذا الحديث، من حديث ابن عبَّاسٍ؛ أنّه - عليه الصلاة والسلام - قال للمقداد: إِذَا كَانَ مُؤمِنٌ يُخفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَومٍ كُفَّارٍ، فَأَظهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلتَهُ؟ كذلك كُنتَ تُخفِي إيمانَكَ بمكة (¬1).
و(قوله: فَصَبَّحنَا الحُرَقَاتِ مِن جُهَينَةَ) رويناه بضم الراء وفتحها، وهو موضعٌ معروفٌ من بلاد جُهَينَةَ، يسمّى بجمع المؤنَّث السالم؛ كعَرَفَات، وأَذرِعَات.
و(قوله - عليه الصلاة والسلام - لأسامة: أَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَقَتَلتَهُ؟ ! ، وتكرارُ ذلك القولِ: إنكارٌ شديد، وزجرٌ وكيد، وإعراضٌ عن قبول عذر أسامة الذي أبداه بقوله: إِنَّمَا قَالَهَا خَوفًا مِنَ السِّلاَحِ.
و(قوله: أَفَلاَ شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حَتَّى تَعلَمَ أَقَالَهَا أَم لاَ؟ ! ) أي: أقالها بقلبه، وتكلَّمَ بها مع نفسه، ففيه: دليلٌ لأهل السنَّة على أنَّ حديث النَّفسِ كلام وقَول (¬2)؛ فهو رَدٌّ على مَن أنكَرَ ذلك من المعتزلةِ وأهلِ البدع. وفيه: دليلٌ على ترتيبِ الأحكامِ على الأسبابِ الظاهرة الجليَّة، دون الباطنةِ الخفيَّة.
و(قوله: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي أَسلَمتُ يَومَئِذٍ) أي: كلمةَ
¬__________
(¬1) رواه البخاري (6865).
(¬2) في (ل) و (م) و (ط): على أن في النفس كلامًا وقولًا، والمثبت من (ع).
الصفحة 296