كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (اسم الجزء: 1)
[84] وَعَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلاَ يُزَكِّيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالفَلاَةِ يَمنَعُهُ ابنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلعَةً بَعدَ العَصرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
و(قوله: ورَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالفَلاَةِ يَمنَعُهُ مِنِ ابنِ السَّبِيلِ) يعني بفَضلِ المَاءِ: ما فضَلَ عن كفاية السابق للماءِ وأَخذِ حاجتِهِ منه؛ فمَن كان كذلك فمنَعَ ما زاد على ذلك تعلَّق به هذا الوعيد.
وابنُ السَّبِيل: هو المسافر، والسبيلُ: الطريق، وسمِّي المسافرُ بذلك؛ لأنَّ الطريقَ تُبرِزه وتُظهِره، فكأنَّها وَلَدَتهُ، وقيل: سمِّي بذلك؛ لملازمتِهِ إياه، كما يقالُ في الغراب: ابنُ دَأيَة؛ لملازمتِهِ دَأيَةَ البعيرِ الدَّبِرِ لِيَنقُرَهَا (¬1).
والفَلاَةُ: القَفر، وهذا هو الماءُ الذي قد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن منعه بقوله: لاَ يُمنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلَأُ (¬2)، وسيأتي الكلامُ عليه. وقد أجمَعَ المسلمون على تحريمِ ذلك؛ لأنَّه منَعَ ما لا حَقَّ له فيه مِن مستَحِقِّهِ، وربَّما أتلفَهُ أو أتلَفَ مالَهُ وبهائمه، فلو منعَهُ هذا الماءَ حتَّى مات عطشًا قِيدَ منه عند مالك؛ لأنَّه قتلَهُ، كما لو قتلَهُ بالجُوعِ أو بالسلاح.
و(قوله: وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلعَةً) رويناه سِلعَةً بغير باء، ورويناه بالباء؛ فعلى الباء: بايَعَ بمعنى ساوَمَ؛ كما جاء في الرواية الأخرى: ساوَمَ، مكان بايَعَ، وتكونُ الباء بمعنى عن؛ كما قال الشاعر:
فَإِن تَسأَلُونِي بالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي ... بَصِيرٌ بِأَدوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
¬__________
(¬1) "البعير الدَّبِر": هو الذي تقرّحت دأيته. والدأية من البعير: هو الموضع الذي تقع عليه ظَلِفَةُ الرّحل فيعقره.
(¬2) رواه البخاري (2353)، ومسلم (1566)، وأبو داود (3473)، والترمذي (1272)، وابن ماجه (2428) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.