كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (اسم الجزء: 1)

وَهَيئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: اللَّهُمَّ، وَلِيَدَيهِ فَاغفِر.
رواه أحمد (3/ 371)، ومسلم (116).
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــ
و(قوله: غَفَرَ لِي بِهِجرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ) دليلٌ على أن الكبائر قد تُغفَرُ بفعلِ القواعد، وفيه نَظَرٌ سيأتي في الطهارة، إن شاء الله تعالى.
و(قوله: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ) دليلٌ على أنَّ المغفرةَ قد لا تتناول محلَّ الجناية، فيحصُلُ منه توزيعُ العقاب على المعاقَبِ؛ ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام -: اللَّهُمَّ، وَلِيَدَيهِ فَاغفِر.
والظاهرُ: أنَّ هذا الرجلَ أدركتهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فغُفِرَ له وليدَيهِ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - له؛ فكأنَّه قيل له: لن نصلحَ منك ما أفسدته ما لم يَدعُ لك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا الحديثُ يقتضي أنَّ قَاتِلَ نفسه ليس بكافر، وأنَّه لا يُخَلَّدُ في النار، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. وهذا الرجلُ ممَّن شاء الله أن يَغفِرَ له؛ لأنَّه إنَّما أتَى بما دون الشِّرك، وهذا بخلافِ القاتلِ نفسَهُ المذكورِ في حديث جُندُب؛ فإنَّه ممَّن شاء الله أن يعذِّبه.

الصفحة 324