كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (اسم الجزء: 1)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والسلام -: إِذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا، فَالقَاتِلُ وَالمَقتُولُ فِي النَّارِ، قَالُوا: يَا رسولَ الله، هَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتلِ صَاحِبِهِ (¬1).
لا يُقَالُ: هذه المؤاخذةُ هنا إنَّما كانت لأنَّه قد عَمِلَ بما استَقَرَّ في قلبه مِن حمله السلاحَ عليه، لا بمجرَّدِ حِرصِ القلب؛ لأنَّا نقول: هذا فاسدٌ؛ لأنَّه - عليه الصلاة والسلام - قد نصَّ على ما وقعَتِ المؤاخذةُ به، وأعرَضَ عن غيره، فقال: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتلِ صَاحِبِهِ، فلو كان حَملُ السلاحِ هو العِلَّةَ للمؤاخذةِ أو جُزءَهَا، لَمَا سكَتَ عنه، وعلَّقَ المؤاخذَةَ على غيره؛ لأنَّ ذلك خلافُ البيانِ الواجبِ عند الحاجةِ إليه، وهذا الذي صار إليه القاضي، هو الذي عليه عامَّةُ السلفِ وأهلِ العلمِ؛ من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين.
ولا يُلتَفَتُ إلى مَن خالفهم في ذلك؛ فزعم: أنَّ ما يَهُمُّ به الإنسانُ، وإن وطَّن نفسَهُ عليه، لا يؤاخَذُ به؛ مُتَمَسِّكًا في ذلك بقوله تعالى: وَلَقَد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِهَا وبقوله - عليه الصلاة والسلام -: مَا لَم يعمَل أو يتَكَلَّم بِهِ، ومن لم يعمل بما عزَمَ عليه ولا نطَقَ به، فلا يؤاخَذُ به، وهو متجاوَزٌ عنه، والجوابُ عن الآية: أنَّ مِنَ الهمِّ ما يؤاخَذُ به، وهو ما استَقَرَّ واستوطَنَ، ومنه ما يكونُ أحاديثَ لا تستقرُّ؛ فلا يؤاخَذُ بها؛ كما شَهِدَ به الحديثُ، وما في الآية من القِسمِ الثاني لا الأوَّل، وفي الآيةِ تأويلاتٌ هذا أحَدُهَا، وبه يحصُلُ الانفصال.
وعن قوله مَا لَم يعمَل أنَّ توطينَ النفسِ عليه عَمَلٌ يؤاخَذُ به، والذي يرفعُ الإشكالَ، ويبيِّنُ المرادَ بهذا الحديث: حديثُ أبي كَبشةَ الأنماريِّ، واسمه عُمَرُ بن سَعد - على ما قاله خَليفة بنُ خَيَّاط -: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إِنَّمَا الدُّنيَا لِأربَعَةِ نَفَرٍ. . (¬2) الحديثَ إلى آخره، وقد ذكرناه.
¬__________
(¬1) رواه البخاري (31)، ومسلم (2888)، وأبو داود (4268)، والنسائي (7/ 125)، وابن ماجه (3964) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(¬2) رواه أحمد (4/ 231)، والترمذي (2325)، وابن ماجه (4228).

الصفحة 341