كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (اسم الجزء: 1)
إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ، لاَ يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَلَيسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيءٍ، فَقَالَ: لَيسَ لَكَ مِنهُ إِلاَّ ذَلِكَ، فَانطَلَقَ لِيَحلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَن أَنكَرَ (¬1)، فليس بصحيحِ الرواية؛ لأنَّه يدورُ على مسلمِ بنِ خالدٍ الزَّنجِيِّ، ولا يُحتَجُّ به (¬2)، لكنَّ معنى متنه صحيحٌ بشهادةِ الحديثِ المتقدِّم له، وبحديثِ ابنِ عبَّاس الذي قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فيه: وَلَكِنِ اليَمِينُ عَلَى مَن أَنكَرَ (¬3).
وفيه: حجةٌ لمن لا يشترطُ الخِلطَةَ في توجُّه اليمينِ على المدعَى عليه، وقد اشترَطَ ذلك مالكٌ، واعتُذِرَ له عن هذا الحديث: بأنَّها قضيةٌ في عَينٍ، ولعلَّه - صلى الله عليه وسلم - عَلِمَ بينهما خِلطةً، فلم يطالبهُ بإثباتها، والله تعالى أعلم.
و(قوله: إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لاَ يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَلَيسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيءٍ) الفاجر: هو الكاذبُ الجريءُ على الكذب، والوَرَعُ: الكَفُّ، ومنه قولُهُم: رَوِّعُوا اللِّصَّ وَلاَ تُورِعُوه أي: لا تنكفُّوا عنه. وظاهر هذا الحديث: أنَّ ما يجري بين المتخاصمَينِ في مجلس الحكم مِن مثلِ هذا السَّبِّ والتقبيحِ: جائزٌ، ولا شيءَ فيه؛ إِذ لم يُنكِر ذلك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ وإلى هذا ذهَبَ بعضُ أهل العلم. والجمهورُ: لا يُجِيزون شيئًا من ذلك، ويَرَونَ إنكارَ ذلك ويؤدِّبون عليه؛ تمسُّكًا بقاعدةِ تحريمِ السبابِ والأعراضِ.
واعتذَرُوا عن هذا الحديث: بأنَّه مُحتمِلٌ لأن يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - علم أنَّ المقولَ له ذلك القولُ كان كما قِيلَ له؛ فكان القائلُ صادقًا ولم يَقصِد أذاه بذلك، وإنَّما قصَدَ منفعةً يستخرجها، فلعلَّه إذا شُنِّعَ عليه، فقد ينزجرُ بذلك، فيرجعُ به للحق. ويَحتملُ: أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - تركَهُ ولم يَزجُرهُ؛ لأنَّ المقولَ له لم يَطلُب حقَّه في ذلك، والله أعلم.
¬__________
(¬1) رواه الترمذي (1341) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(¬2) في هامش (م): في تقريب التهذيب: صدوق كثير الأوهام، من الثامنة، مات (179 هـ) أو بعدها.
(¬3) رواه البيهقي في السنن الكبرى (10/ 252).