كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (اسم الجزء: 1)
فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي، فَقَالَ: اقرَأ. فقُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي، فَقَالَ: اقرَأ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي، فَقَالَ: اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بقارئٍ، والباء زائدة لمجرَّد النفي والتأكيد. وقال بعضهم: إنّها هنا للاستفهام، وهو خطأ؛ لأنّ هذه الباء لا تزاد على الاستفهام، وإنّما تصلح للاستفهام رواية من رواها: ما أقرأ، وتصلح أيضًا للنفي.
و(قوله: فغطّني) أي: غمّني وعصَرني، ورواه بعضهم: فغتني، وهما بمعنى واحد. وفي العين: غَطَّه في الماء غَرَّقَه وغمسه، ويقال: غَتَّه وغطه وخنقه بمعنى واحد.
و(قوله: حتّى بلغ منّي الجَهد) أي: غاية المشقَّة، بفتح الجيم. والجُهد - بالضمّ -: الطاقة، قاله القُتبيّ (¬1). وقال (¬2) الشعبيّ: الجُهد في القوت (¬3) والجَهد في العمل. وقيل هما بمعنى واحد، قاله البصريّون.
وهذا الغط من جبريل للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - تفزيع له وإيقاظٌ، حتّى يقبل بكليته ما يُلقى إليه، وتكراره ثلاثًا مبالغة في هذا المعنى. وقال الخطّابيّ: كان ذلك ليبلو صبره ويحسن أدبه فيرتاض لتحمُّل ما كلّفه من أعباء الرسالة. وهذا الحديث نصّ في أوّل ما نزل من القرآن، وهو أولى من حديث جابر إذ قال: إن أوّل ما أُنزِل من القرآن: يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ وسياق حديث جابر لا ينصّ على ذلك، بل سكت عمّا ذكرته عائشة من نزول: اقرَأ في حراء، وذكر أنّه رجع إلى خديجة
¬__________
(¬1) في (ط): ابن قتيبة.
(¬2) لفظة (قال) من (ط).
(¬3) في اللسان مادة (جهد): الغنية.