كتاب بداية المجتهد - ط الحلبي (اسم الجزء: 1)

فعلا. فأما الأفعال فجميع الأفعال المباحة التي ليست من أفعال الصلاة إلا قتل العقرب والحية في الصلاة فإنهم اختلفوا في ذلك لمعارضة الأثر في ذلك للقياس واتفقوا فيما أحسب على جواز الفعل الخفيف. وأما الأقوال فهي أيضا الأقوال التي ليست من أقاويل الصلاة وهذه أيضا لم يختلفوا أنها تفسد الصلاة عمدا لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ولما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء" ومما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة وهو حديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم أنه قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وحديث معاوية ابن الحكم السلمي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتهليل والتحميد وقراءة القرآن" إلا أنهم اختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما إذا تكلم ساهيا والآخر إذا تكلم عامدا لإصلاح الصلاة. وشذ الأوزاعي فقال: من تكلم في الصلاة لإحياء نفس أو لأمر كبير فإنه يبني والمشهور من مذهب مالك أن التكلم عمدا على جهة الإصلاح لا يفسدها. وقال الشافعي: يفسدها التكلم كيف كان إلا مع النسيان وقال أبو حنيفة: يفسدها التكلم كيف كان. والسبب في اختلافهم تعارض ظواهر الأحاديث في ذلك وذلك أن تقتضي تحريم الكلام على العموم وحديث أبي هريرة المشهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصدق ذو اليدين؟" فقالوا: نعم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين أخريين ثم سلم ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم والناس معه وأنهم بنوا بعد التكلم ولم يقطع ذلك التكلم صلاتهم فمن أخذ بهذا الظاهر ورأى أن هذا شيء يخص الكلام لإصلاح الصلاة استثنى هذا من ذلك العموم وهو مذهب مالك بن أنس ومن ذهب إلى أنه ليس في الحديث دليل على أنهم تكلموا عمدا في الصلاة وإنما يظهر منهم أنهم تكلموا وهم يظنون

الصفحة 119