كتاب بداية المجتهد - ط الحلبي (اسم الجزء: 1)

مذهب من يفرق بين أبعاض الشيء فرأى أن بعضها يقوم في امتثاله مقام الوجوب وبعضها لا يقوم مقامه فتأمل هذا فإنه أصل في هذا الباب وإلا جاز لقائل أن يقول: إنه إن مس من كلاهما الأرض مثقال خردلة تم سجوده. وأما من رأى أن الواجب هو امتثال كل ما ينطلق عليه الاسم فالواجب عنده أن يسجد على الجبهة والأنف. والشافعي يقول: إن هذا الاحتمال الذي من قبل اللفظ قد أزاله فعله عليه الصلاة والسلام وبينه فإنه كان يسجد على الأنف والجبهة لما جاء من أنه انصرف من صلاة من الصلوات وعلى جبهته وأنفه أثر الطين والماء, فوجب أن يكون فعله مفسرا للحديث المجمل. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد ذكر جماعة من الحفاظ حديث ابن عباس فذكروا فيه الأنف والجبهة. قال القاضي أبو الوليد: وذكر بعضهم الجبهة فقط وكلا الروايتين في كتاب مسلم وذلك حجة لمالك. واختلفوا أيضا هل من شرط السجود أن تكون يد الساجد بارزة وموضوعة على الذي يوضع عليه الوجه أم ليس ذلك من شرطه؟ فقال مالك: ليس ذلك من شرط السجود أحسبه شرط تمامه. وقالت جماعة: ليس ذلك من شرط السجود. ومن هذا الباب اختلافهم في السجود على طاقات العمامة وللناس فيه ثلاثة مذاهب: قول بالمنع وقول بالجواز وقول بالفرق بين أن يسجد على طاقات يسيرة من العمامة أو كثيرة وقول بالفرق بين أن يمس من جبهته الأرض شيء أو لا يمس منها شيء وهذا الاختلاف كله موجود في المذهب وعند فقهاء الأمصار وفي البخاري كانوا يسجدون على القلانس والعمائم. واحتج من لم ير إبراز اليدين في السجود بقول ابن عباس أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نسجد على سبعة أعضاء ولا نكفت ثوبا ولا شعرا وقياسا على الركبتين وعلى الصلاة في الخفين يمكن أن يحتج بهذا العموم في السجود على العمامة.
المسألة الثامنة : اتفق العلماء على كراهية الإقعاء في الصلاة لما جاء في الحديث من النهي أن يقعي الرجل في صلاته كما يقعي الكلب إلا أنهم اختلفوا فيما يدل عليه الاسم فبعضهم رأى أن الإقعاء المنهي عنه هو جلوس الرجل على أليتيه في الصلاة ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع ولا خلاف بينهم أن هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة. وقوم رأوا أن معنى

الصفحة 139