كتاب بداية المجتهد - ط الحلبي (اسم الجزء: 1)

"صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" وأما أولئك فزعموا أنه يمكن أن يحمل حديث الأعمى على نداء يوم الجمعة إذ ذلك هو النداء الذي يجب على من سمعه الإتيان إليه باتفاق وهذا فيه بعد والله أعلم لأن نص الحديث هو أن أبا هريرة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم, قال: فأجب" وظاهر هذا يبعد أن يفهم منه نداء الجمعة مع أن الإتيان إلى صلاة الجمعة واجب على كل من كان في المصر وإن لم يسمع النداء ولا أعرف في ذلك خلافا. وعارض هذا الحديث أيضا حديث عتبان بن مالك المذكور في الموطأ وفيه أن عتبان بن مالك كان يؤم وهو أعمى وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه تكون الظلمة والمطر والسيل وأنا رجل ضرير البصر فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أين تحب أن أصلي" فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما المسألة الثانية : فإن الذي دخل المسجد وقد صلى لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون صلى منفردا وإما أن يكون صلى في جماعة. فإن كان صلى منفردا فقال قوم: يعيد معهم كل الصلوات إلا المغرب فقط, وممن قال بهذا القول مالك وأصحابه. وقال أبو حنيفة: يعيد الصلوات كلها إلا المغرب والعصر. وقال الأوزاعي: إلا المغرب والصبح. وقال أبو ثور: إلا العصر والفجر. وقال الشافعي: يعيد الصلوات كلها, وإنما اتفقوا على إيجاب إعادة الصلاة عليه بالجملة لحديث بشر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين دخل المسجد ولم يصل معه: "ما لك لم تصل مع الناس: ألست برجل مسلم؟ فقال بلى يا رسول الله ولكني صليت في أهلي, فقال عليه الصلاة والسلام: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت" فاختلف الناس لاحتمال تخصيص هذا العموم بالقياس أو بالدليل فمن حمله على عمومه أوجب عليه إعادة الصلوات

الصفحة 142