كتاب بداية المجتهد - ط الحلبي (اسم الجزء: 1)

ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا وهذا الحديث لو صح لكان أظهر من تلك الأحاديث في إجازة الجمع لأن ظاهره أنه قدم العشاء إلى وقت المغرب وإن كان لهم أن يقولوا إنه أخر المغرب إلى آخر وقتها وصلى العشاء في أول وقتها لأنه ليس في الحديث أمر مقطوع به على ذلك بل لفظ الراوي محتمل. وأما اختلافهم في إجازة القياس في ذلك فهو أن يلحق سائر الصلوات في عرفة والمزدلفة أعني أن يجاز الجمع قياسا على تلك فيقال مثلا: صلاة وجبت في سفر فجاز أن تجمع أصله جمع الناس بعرفة والمزدلفة وهو مذهب سالم بن عبد الله: أعني جواز هذا القياس لكن القياس في العبادات يضعف فهذه الخلاف الواقع في جواز الجمع.
وأما المسألة الثانية : وهي صورة الجمع فاختلف فيه أيضا القائلون بالجمع أعني في السفر. فمنهم من رأى أن الاختيار أن تؤخر الصلاة الأولى وتصلى مع الثانية وإن جمعتا معا في أول وقت الأولى جاز وهي إحدى الروايتين عن مالك ومنهم من سوى بين الأمرين: أعني أن يقدم الآخرة إلى وقت الأولى أو يعكس الأمر وهو مذهب الشافعي وهي رواية أهل المدينة عن مالك والأولى رواية ابن القاسم عنه وإنما كان الاختيار عند مالك هذا النوع من الجمع لأنه الثابت من حديث أنس ومن سوى بينهما فمصيرا إلى أنه لا يرجح بالعدالة: أعني أنه لا تفضل عدالة عدالة في وجوب العمل بها ومعنى هذا أنه إذا صح حديث معاذ وجب العمل به كما وجب بحديث أنس إذ كان رواة الحديثين عدولا وإن كان رواة أحد الحديثين أعدل.
وأما المسألة الثالثة : وهي الأسباب المبيحة للجمع فاتفق القائلون بجواز الجمع على أن السفر منها واختلفوا في الجمع في الحضر وفي شروط السفر المبيح له وذلك أن السفر منهم من جعله سببا مبيحا للجمع أي سفر كان وبأي صفة كان ومنهم من اشترط فيه ضربا من السير ونوعا من أنواع السفر فأما الذي اشترط فيه ضربا من السير فهو مالك في رواية ابن القاسم عنه وذلك أنه قال: لا يجمع المسافر إلا أن يجد به السير ومنهم من لم يشترط ذلك وهو الشافعي وهي إحدى الروايتين عن مالك ومن ذهب هذا المذهب

الصفحة 172