كتاب بداية المجتهد - ط الحلبي (اسم الجزء: 1)

لكن النظر في هذا الأصل لذي هو العمل كيف يكون دليلا شرعيا فيه نظر فإن متقدمي شيوخ المالكية كانوا يقولون إنه من باب الإجماع وذلك لا وجه له فإن إجماع البعض لا يحتج به وكان متأخروهم يقولون إنه من باب نقل التواتر ويحتجون في ذلك بالصاع وغيره مما نقله أهل المدينة خلفا عن سلف والعمل إنما هو فعل والفعل لا يفيد التواتر إلا أن يقترن بالقول فإن التواتر طريقه الخبر لا العمل وبأن جعل الأفعال تفيد التواتر عسير بل لعله ممنوع والأشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة وذلك أنه لا يجوز أن يكون أمثال هذه السنن مع تكررها وتكرر وقوعها منسوخة ويذهب العمل بها على أهل المدينة الذين تلقوا العمل بالسنن خلفا عن سلف وهو أقوى من عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة لأن أهل المدينة أحرى أن لا يذهب عليهم ذلك من غيرهم من الناس الذين يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل وبالجملة العمل لا يشك أنه قرينة إذا اقترنت بالشيء المنقول إن وافقته أفادت به غلبة الظن وإن خالفته أفادت به ضعف الظن فأما هل تبلغ هذه القرينة مبلغا ترد به أخبار الآحاد الثابتة ففيه نظر وعسى أنها تبلغ في بعض ولا تبلغ في بعض لتفاضل الأشياء في شدة عموم البلوى بها وذلك أنه كلما كانت السنة الحاجة إليها أمس وهي كثيرة التكرار على المكلفين كان نقلها من طريق الآحاد من غير أن ينتشر قولا أو عملا فيه ضعف وذلك أنه يوجب ذلك أحد أمرين: إما أنها منسوخة وإما أن النقل فيه اختلال وقد بين ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره. وأما الجمع في الحضر للمريض فإن مالكا أباحه له إذا خاف أن يغمى عليه أو كان به بطن ومنع ذلك الشافعي. والسبب في اختلافهم هو اختلافهم في تعدي علة الجمع في السفر: أعني المشقة فمن طرد العلة رأى أن هذا من باب الأولى والأحرى وذلك أن المشقة على المريض في إفراد الصلوات أشد منها على المسافر ومن لم يعد هذه العلة وجعلها كما يقولون قاصرة: أي خاصة بذلك الحكم دون غيره لم يجز ذلك.

الصفحة 174