كتاب بداية المجتهد - ط الحلبي (اسم الجزء: 1)

على أن الشهر العربي يكون تسعا وعشرين ويكون ثلاثين وعلى أن الاعتبار في تحديد شهر رمضان إنما هو الرؤية لقوله عليه الصلاة والسلام: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" وعنى بالرؤية أول ظهور القمر بعد السؤال. واختلفوا في الحكم إذا غم الشهر ولم تمكن الرؤية وفي وقت الرؤية المعتبر. فأما اختلافهم إذا غم الهلال فإن أن الحكم في ذلك أن تكمل العدة ثلاثين فإن كان الذي غم هلال أول الشهر عن الشهر الذي قبله ثلاثين يوما وكان أول رمضان الحادي والثلاثين وإن كان الذي غم هلال آخر الشهر صام الناس ثلاثين يوما. وذهب ابن عمر إلى أنه إن كان المغمى عليه هلال أول الشهر صيم اليوم الثاني وهو الذي يعرف بيوم الشك. وروي عن بعض السلف أنه إذا أغمي الهلال رجع إلى الحساب بمسير القمر والشمس وهو مذهب مطرف بن الشخير وهو من كبار التابعين. وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر ثم تبين له من جهة الاستدلال أن الهلال مرئي وقد غم فإن له أن يعقد الصوم ويجزيه. وسبب اختلافهم الإجمال الذي في قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له" فذهب الجمهور إلى أن تأويله أكملوا العدة ثلاثين. ومنهم من رأى أن معنى التقدير له هو عده بالحساب. ومنهم من رأى أن معنى ذلك أن يصبح المرء صائما وهو مذهب ابن عمر كما ذكرنا وفيه بعد في اللفظ. وإنما صار الجمهور إلى هذا التأويل لحديث ابن عباس الثابت أنه قال عليه الصلاة والسلام: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" وذلك مجمل وهذا مفسر فوجب أن يحمل المجمل على المفسر وهي طريقة لا خلاف فيها بين الأصوليين فإنهم ليس عندهم بين المجمل والمفسر تعارض أصلا فمذهب الجمهور في هذا لائح والله أعلم. وأما اختلافهم في اعتبار وقت الرؤية فإنهم اتفقوا على أنه إذا رؤي من العشي أن الشهر من اليوم الثاني واختلفوا إذا رؤي في سائر أوقات النهار أعني أول ما رؤي فمذهب الجمهور أن القمر في أول وقت رئي من النهار أنه لليوم المستقبل كحلم رؤيته بالعشي وبهذا القول قال مالك والشافعي

الصفحة 284