{لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} الآية. وأما من أجاز ذلك فكأنه نظر إلى المصلحة فهذا هو مقدار النكاية التي يجوز أن تبلغ بهم في نفوسهم ورقابهم. وأما النكاية التي تجوز في أموالهم وذلك في المباني والحيوان والنبات فإنهم اختلفوا في ذلك فأجاز مالك قطع الشجر والثمار وتخريب العامر ولم يجز قتل المواشي ولا تحريق النخل وكره الأوزاعي قطع الشجر المثمر وتخريب العامر كنيسة كان أو غير ذلك وقال الشافعي: تحرق البيوت والشجر إذا كانت لهم معاقل وكره تخريب البيوت وقطع الشجر إذا لم يكن لهم معاقل. والسبب في اختلافهم مخالفة فعل أبي بكر في ذلك لفعله عليه الصلاة والسلام وذلك أنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام حرق نخل بني النضير وثبت عن أبي بكر أنه قال: لا تقطعن شجرا ولا تخربن عامرا فمن ظن أن فعل أبي بكر هذا إنما كان لمكان علمه بنسخ ذلك الفعل منه صلى الله عليه وسلم إذ لا يجوز على أبي بكر أن يخالفه مع علمه بفعله أو رأى أن ذلك كان الموطأ ببني النضير لغزوهم قال بقول أبي بكر ومن اعتمد فعله عليه الصلاة والسلام ولم ير قول أحد ولا فعله حجة عليه قال بتحريق الشجر. وإنما فرق مالك بين الحيوان والشجر لأن قتل الحيوان مثلة وقد نهى عن المثلة ولم يأت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قتل حيوانا فهذا هو معرفة النكاية التي يجوز أن تبلغ من الكفار في نفوسهم وأموالهم.
الفصل الرابع في شرط الحرب
فأما شرط الحرب فهو بلوغ الدعوة باتفاق أعني أنه لا يجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة وذلك شيء مجتمع عليه من المسلمين لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وأما هل يجب تكرار الدعوة عند تكرار الحرب فإنهم اختلفوا في ذلك فمنهم من أوجبها ومنهم من استحبها ومنهم من لم يوجبها ولا استحبها. والسبب في اختلافهم معارضة القول للفعل وذلك أنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا بعث سرية قال لأميرها: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم,