كتاب بداية المجتهد - ط الحلبي (اسم الجزء: 1)

والثانية : أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس وهذا قول أحمد بن حنبل. وقال أهل الظاهر: آخر وقتها قبل غروب الشمس بركعة. والسبب في اختلافهم أن في ذلك ثلاثة أحاديث متعارضة: الظاهر أحدها حديث عبد الله بن عمر خرجه مسلم وفيه: "فإذا صليتم العصر فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس , وفي بعض رواياته "وقت العصر ما لم تصفر الشمس" . والثاني حديث ابن عباس في إمامة جبريل وفيه أنه صلى به العصر في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه. والثالث حديث أبي هريرة المشهور: "من أدرك ركعة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" , فمن صار إلى ترجيح حديث إمامة جبريل جعل آخر وقتها المختار المثلين ومن صار إلى ترجيح حديث ابن عمر جعل آخر وقتها المختار اصفرار الشمس1 ومن صار إلى ترجيح حديث أبي هريرة قال: وقت العصر إلى أن يبقى منها ركعة قبل غروب الشمس وهم أهل الظاهر كما قلنا. وأما الجمهور فسلكوا في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر مع حديث ابن عباس إذ كان معارضا لهما كل التعارض مسلك الجمع لأن حديثي ابن عباس وابن عمر تتقارب الحدود المذكورة فيهما ولذلك قال مالك مرة بهذا ومرة بذلك. وأما الذي في حديث أبي هريرة فبعيد منهما ومتفاوت فقالوا: حديث أبي هريرة إنما خرج مخرج أهل الأعذار.
المسألة الثالثة : اختلفوا في المغرب هل لها وقت موسع كسائر الصلوات أم لا؟ فذهب قوم إلى أن وقتها واحد غير موسع وهذا هو أشهر الروايات عن مالك وعن الشافعي. وذهب قوم إلى أن وقتها موسع وهو ما بين غروب الشمس إلى غروب الشفق وبه قال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور وداود وقد روي هذا القول عن مالك والشافعي. وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حديث إمامة جبريل في ذلك لحديث عبد الله بن عمر وذلك أن في حديث إمامة جبريل أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد وفي حديث عبد الله
ـــــــ
1 ما بين القوسين زائد بالنسخة المطبوعة بفاس أثبتناه لأنه ضروري.

الصفحة 95