كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 1)

الْمَوْضِعُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ الْحَاضِرَةِ لَا بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ لُغَةً.
وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْهَمَ أقوال المفسرين المتقدمين، وهو الأولى بمناصبهم (¬1) فِي الْعِلْمِ، وَمَرَاتِبِهِمْ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (¬2).
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ـ وَهُمْ فِيمَا زَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ (¬3) ـ: الرَّأْيُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآثَارِ هُوَ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ شَرَائِعِ الدِّينِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالظُّنُونِ، وَالِاشْتِغَالُ بِحِفْظِ الْمُعْضِلَاتِ والأُغْلُوطَات (¬4)، وَرْدُّ الْفُرُوعِ وَالنَّوَازِلِ (¬5) بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ قِيَاسًا، دُونَ رَدِّهَا إِلَى أُصُولِهَا وَالنَّظَرِ فِي عِلَلِهَا وَاعْتِبَارِهَا، فَاسْتُعْمِلَ فِيهَا الرَّأْيُ قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ، وَفُرِّعَتْ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ، وَتُكُلِّمَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ بِالرَّأْيِ الْمُضَارِعِ (¬6) لِلظَّنِّ.
قَالُوا: لِأَنَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِهَذَا وَالِاسْتِغْرَاقِ فِيهِ تَعْطِيلُ السُّنَنِ وَالْبَعْثُ عَلَى جَهْلِهَا، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَمِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَانِيهِ.
وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا (¬7): أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَعَنَ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ (¬8)، وَمَا جَاءَ مِنَ النهي عن الأغلوطات (¬9) ـ وهي صعاب
¬_________
(¬1) في (م) و (خ) و (ط): "لمناصبهم".
(¬2) وقريب من هذا المعنى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع اختلاف السلف في التفسير، وأن غالبه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. انظر مقدمة التفسير ضمن الفتاوى (13/ 333 ـ 344).
(¬3) انظر قولهم في جامع بيان العلم وفضله (2/ 139).
(¬4) الأغلوطات جمع أغلوطة. والأغلوطة بالضم ما يغلّط به من المسائل. انظر الصحاح (3/ 1147). وقال الإمام الأوزاعي: هي شواذ المسائل وصعابها. انظر: مسند الإمام أحمد (5/ 435)، الإبانة الكبرى (1/ 402)، شرح السنة للبغوي (1/ 308)، الفقيه والمتفقه للخطيب (2/ 11)، المدخل للبيهقي (ص229).
(¬5) في (ط): "النوازع" وهو خطأ.
(¬6) في (خ): "المعارض".
(¬7) في (ت): "ومنها".
(¬8) رواه الإمام الدارمي في سننه، باب كراهية الفتيا عن ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما (1/ 62)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/ 139، 143).
(¬9) في (غ) و (ر) "الغلوطات"، وقد رواه الإمام أبو داود في سننه، باب التوقي في الفتيا عن=

الصفحة 182