كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 1)
ذَلِكَ دَاخِلٌ تَحْتَ مُقْتَضَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (¬1)، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ تَعْلِيمًا غَيْرَ عَقْلِيٍّ، ثُمَّ تَوَارَثَتْهُ ذُرِّيَّتُهُ كَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ فَرَّعَتِ الْعُقُولُ مِنْ أُصُولِهَا تَفْرِيعًا تَتَوَهَّمُ اسْتِقْلَالَهَا بِهِ.
وَدَخَلَ (¬2) فِي الْأُصُولِ الدَّوَاخِلُ حَسْبَمَا أَظْهَرَتْ ذَلِكَ أزمنة الفترات؛ إذ لم تجر مصالح أهل (¬3) الْفَتَرَاتِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، لِوُجُودِ الْفِتَنِ وَالْهَرْجِ (¬4)، وَظُهُورِ أوجه الفساد (¬5).
فلولا أن الله تعالى منّ (¬6) على الخلق ببعثة الأنبياء عليهم السلام لَمْ تَسْتَقِمْ (¬7) لَهُمْ حَيَاةٌ، وَلَا جَرَتْ أَحْوَالُهُمْ عَلَى كَمَالِ مَصَالِحِهِمْ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالنَّظَرِ (¬8) فِي أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ.
وَأَمَّا الْمَصَالِحُ الأُخروية، فَأَبْعَدُ عن مجاري (¬9) العقول (¬10) مِنْ جِهَةِ وَضْعِ أَسْبَابِهَا، وَهِيَ الْعِبَادَاتُ مَثَلًا، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَشْعُرُ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ بِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَمِنْ جِهَةِ تَصَوُّرِ الدَّارِ الْأُخْرَى وَكَوْنِهَا آتِيَةً، فَلَا بُدَّ وَأَنَّهَا (¬11) دَارُ جَزَاءٍ عَلَى الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ الَّذِي يُدْرِكُ الْعَقْلُ مِنْ ذَلِكَ مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ أن يشعر به (¬12).
¬_________
(¬1) سورة البقرة، آية (31)، وقد روى نحو هذا القول عن قتادة. انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/ 282).
(¬2) في (م) و (ر) و (ت): "دخل"، بدون الواو.
(¬3) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).
(¬4) الهرج هو القتل كما فسّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل، القتل"، رواه مسلم (18/ 31 مع شرح النووي).
ومن معاني الهرج الفتنة والاختلاط. الصحاح (1/ 350).
(¬5) أشار المؤلف إلى هذا المعنى في كتاب الموافقات (2/ 48).
(¬6) في (ط): "فلولا أن منَّ الله".
(¬7) في (م) و (خ) و (ت): "يستقيم"، وكلا اللفظين صحيح في اللغة.
(¬8) ساقطة من (ت).
(¬9) في (م): "مجار"، وفي (ط): "مصالح".
(¬10) في (ط): "المعقول".
(¬11) ساقطة من (م) و (ت).
(¬12) في (خ) و (ط): "بها".