كتاب شرح كتاب سيبويه (اسم الجزء: 1)

جاز أن يكون ظرفا وجاز أن يكون مفعولا على السعة، واللفظان واحد، والتقديران مختلفان، فإذا جعلته ظرفا فتقديره " صمت في اليوم "، قدّرت وصول الصوم إلى اليوم بتوسط " في "، فأنت تنويها، وإن لم تلفظ بها، وإذا جعلته مفعولا على السّعة، فأنت غير ناول " في "، ولكنك تقدّر فعل الصوم باليوم، كما تفعل الضرب بزيد، إذا قلت:
" ضربت زيدا "، وهذا على المجاز؛ لأنّ اليوم لا يؤثّر فيه الصوم، كما يؤثر الضّرب في زيد.
وقد جاء مثل ذلك في القرآن، ثمّ في الشّعر، قال الله عز وجل: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (¬1)، وليس لليل والنهار مكر، وإنما المكر يقع فيهما، فجعل ما يقع فيهما بمنزلة ما يوقعانه، أو يوقع منهما؛ لأن المصادر إنما تضاف إلى الفاعل أو المفعول.
وقال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً (¬2)، والنهار لا يبصر، وإنما يبصر فيه.
وقال الشاعر:
أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة … واللّيل في جوف منحوت من السّاج (¬3)
فإذا قلت: " صمت اليوم " وجعلته ظرفا، ثم كنّيت عنه قلت: " صمت فيه "؛ لأنك تردّ الحرف المحذوف، وإنما رددته؛ لأنّ الكناية لا تقوم بنفسها، ولا تقوم مقام " في " كما قام الظاهر وإذا كنّيت عنه فقد جعلته مفعولا على السّعة، فقلت: " صمته " لأنّك لست تنوي حرفا، كما تقول: " ضربته ".
قال الشاعر:
ويوم شهدناه سليما وعامرا … قليل سوى الطّعن النّهال نوافله (¬4)
وجعل: " صمت اليوم " مفعولا على السّعة، فإذا جعلت الفعل لما لم يسم فاعله واستعملته مفعولا على السّعة قلت: " صيم اليوم "، ولا يجوز أن تردّه إلى ما لم يسمّ فاعله حتى تنقله عن الظرف إلى المفعول على السّعة، فإذا قلت " صمت عندك " لم يكن فيه إلا وجه واحد؛ لأنه ظرف غير متمكن، ولا يكون مفعولا على السّعة، ولا ينقل إلى ما لم
¬__________
(¬1) سورة سبأ، آية: 33.
(¬2) سورة النمل، آية: 86.
(¬3) البيت بلا نسبة في سيبويه 1/ 80.
(¬4) البيت لرجل من بني عامر في سيبويه 1/ 90.

الصفحة 268