كتاب قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر (اسم الجزء: 1)
بألف فوزنهم، فقال أحدهما للآخر: دعه؛ فلو وزنته بأمته كلها .. لوزنها (1)، وختما بين كتفيه بخاتم النبوة.
وسارت به أمه إلى المدينة وهو ابن أربع سنين، وقيل غير ذلك (2)؛ لتزوّره أخواله بني النجار، فماتت بالأبواء وهي راجعة (3)، فحضنته بعد أمّه دايته أمّ أيمن بركة، وكفله جده عبد المطلب (4)، ومات عبد المطلب عن مائة وعشر سنين وللنبي صلّى الله عليه وسلم ثمان سنين، فأوصى به إلى عمه-شقيق أبيه-أبي طالب، فكفله أبو طالب (5).
وخرج مع عمه أبي طالب إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرا، واسمه: جرجيس، فعرفه بصفته، فقال وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين، فقيل له: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم به من العقبة .. لم يبق شجر ولا حجر .. إلاّ خرّ ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يردّه خوفا عليه من اليهود (6).
_________
(1) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (1/ 135)، وابن سعد في «الطبقات» (1/ 91)، والطبري في «تاريخه» (2/ 165). كما أخرج القصة بنحوها مسلم (162/ 261)، وابن حبان (6334)، وأحمد (3/ 121) وغيرهم.
(2) انظر هذه الأقوال في «سيرة مغلطاي» (73).
(3) الأبواء: قرية بين مكة والمدينة قبل الجحفة مما يلي المدينة.
(4) «سيرة ابن هشام» (1/ 168)، و «طبقات ابن سعد» (1/ 96)، و «دلائل النبوة» لأبي نعيم (1/ 204)، و «دلائل النبوة» للبيهقي (1/ 188).
(5) «سيرة ابن هشام» (1/ 169)، و «طبقات ابن سعد» (1/ 98)، و «دلائل النبوة» لأبي نعيم (1/ 208)، و «دلائل النبوة» للبيهقي (1/ 188).
(6) أخرجه الحاكم (2/ 615) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، والترمذي (3620) وحسنه، وأبو نعيم في «الدلائل» (1/ 217)، والبيهقي في «الدلائل» (2/ 24) وغيرهم، إلا أن الذهبي قد تعقب الحاكم فقال: (أظنه موضوعا؛ فبعضه باطل)، وقال في «تاريخ الإسلام» (1/ 57) في كلام طويل: (تفرّد به قراد ... وهو حديث منكر جدا)، وذلك أنه استنكر فيه ذكر أبي بكر وبلال في قوله: (وبعث معه أبو بكر بلالا)، لكن قال ابن حجر في «الإصابة» (1/ 179) في ترجمة بحيرا: (وقد وردت هذه القصة بإسناد رجاله ثقات من حديث أبي موسى الأشعري، أخرجها الترمذي وغيره، ولم يسم فيها الراهب، وزاد فيها لفظة منكرة، وهي قوله: «وأتبعه أبو بكر بلالا»، وسبب نكارتها: أن أبا بكر حينئذ لم يكن متأهلا، ولا اشترى يومئذ بلالا، إلا أن يحمل على أن هذه الجملة الأخيرة منقطعة من حديث آخر أدرجت في هذا الحديث، وفي الجملة: هي وهم من أحد رواته). والذي يعضد كلام الحافظ رحمه الله: أن الحديث جاء بمعناه عند ابن سعد في «الطبقات» (1/ 99) من غير هذه اللفظة، وأن الذهبي رحمه الله ذكر: أن ابن عائذ قد روى معناه في «مغازيه» بإسناده دون قوله: (وبعث معه أبو بكر بلالا)، أضف إلى ذلك أن البيهقي قال في «الدلائل» (2/ 26): (فأما القصة .. فهي عند أهل المغازي مشهورة)، والله أعلم.