كتاب قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر (اسم الجزء: 1)
على الأخرى فقال: «هذه لعثمان»، وهي بيعة الرضوان التي قال الله عزّ وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ} (1) الآية.
وقال صلّى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» (2).
وذكر أكثر المفسرين في قوله تعالى: {إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} أنه صلح الحديبية؛ لم يكن فتح أعظم منه. قال العلماء: وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين في تلك الهدنة، وسمعوا منهم أحوال النبي صلّى الله عليه وسلم الباهرة، ومعجزاته الظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وشاهدها كثير منهم، فمالت أنفسهم إلى الإيمان، وأسلم في تلك الأيام خلق كثير؛ ولذلك أجبرهم صلّى الله عليه وسلم على الصلح مع كراهة أكثرهم له.
وفيها: أسلم خالد بن الوليد المخزومي، وعمرو بن العاصي السهمي، وعثمان بن طلحة العبدري، وعقيل بن أبي طالب الهاشمي (3).
وفيها: غزوة الغابة (4)، وتسمى أيضا: غزوة ذي قرد؛ باسم الموضع الذي جرى فيه
_________
(1) حديث مبايعة الصحابة على الموت أخرجه البخاري (4169)، ومسلم (1860)، وأما حديث مبايعتهم على عدم الفرار .. فهو عند مسلم (1856)، قال الحافظ في «الفتح» (6/ 118): (لا تنافي بين قولهم: بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار؛ لأن المراد بالمبايعة على الموت: ألاّ يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت).
(2) أخرجه ابن حبان (4802)، وأبو داود (4621)، والترمذي (3860)، والنسائي في «الكبرى» (11444)، وغيرهم.
(3) أما إسلام خالد وعمرو وعثمان رضي الله عنهم .. فقد تبع المصنف في هذا القول العامري في «البهجة» (1/ 326)، وهو قول ابن أبي خيثمة-كما نقل مغلطاي في «سيرته» (296)، وأورد هذا القول ابن عبد البر في «الاستيعاب» (ص 198) وابن الأثير في «أسد الغابة» (2/ 109) وقال عنه: (ليس بشيء)، وذكر النووي في «تهذيبه» (1/ 173): أن إسلام خالد كان بعد الحديبية، ولم يذكر سنة، وقال الحافظ في «الإصابة» (1/ 413): (أسلم في سنة سبع بعد خيبر، وقيل: قبلها)، ونقل مغلطاي عن الحاكم نفس القول، والراجح-والله أعلم-أن ذلك كان في السنة الثامنة كما قال الواقدي في «المغازي» (2/ 745)، وابن سعد في «الطبقات» (5/ 27)، والطبري في «التاريخ» (3/ 29)، وابن الجوزي في «المنتظم» (2/ 385)، وابن الأثير في «الكامل» (2/ 108)، والذهبي في «التاريخ» (2/ 469)، ومغلطاي في «سيرته» (296)، والفاسي في «العقد الثمين» (4/ 289)، وكلهم أثبت إسلامهم في هذه السنة، وبعضهم حدد أنه كان في أول صفر. وأما عقيل .. فقد ذكر النووي في «تهذيبه» (1/ 337): أنه أسلم قبل الحديبية، وكذا ابن الأثير في «أسد الغابة» (3/ 423)، وغيرهم.
(4) وضع المصنف الغزوة هنا بعد صلح الحديبية موافق لما في «البخاري» (كتاب المغازي) باب: غزوة ذات القرد، و «مسلم» (1807) ومخالف لما يذكره أصحاب السير من أنها كانت قبل الحديبية، قال الحافظ في «الفتح» (7/ 164): (قال القرطبي شارح «مسلم»: ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة من وهم-