كتاب قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر (اسم الجزء: 1)

النعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به .. رجونا عطفه وعائده علينا، وأنت خير المكفولين، وأنشده زهير بن صرد الجشمي السعدي وهو أحد سراتهم: [من البسيط]
امنن علينا رسول الله في كرم … فإنّك المرء نرجوه وننتظر
امنن على بيضة قد عاقها قدر … مشتّت شملها في دهرها غير
يا خير طفل وموجود ومنتجب … في العالمين إذا ما حصّل البشر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلما حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته … واستبق منّا فإنّا معشر زهر
إنّا لنشكر للنعما إذا كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه … من أمّهاتك إنّ العفو مشتهر
يا خير من مرحت كمت الجياد به … عند الهياج إذا ما استوقد الشرر
إنّا نؤمّل عفوا منك تلبسه … هذي البرية إذ تعفو وتنتصر
فاغفر عفا الله عمّا أنت راهبه … يوم القيامة إذ يهدى لك الظّفر
فلما سمع صلّى الله عليه وسلم هذا الشعر .. قال: «ما كان لي ولبني عبد المطلب ..
فهو لكم»، وقالت قريش: ما كان لنا .. فهو لله عزّ وجل ولرسوله، وقالت الأنصار مثل ذلك (1).
وفي «الصحيحين»: (عن المسور بن مخرمة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يردّ إليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم: «معي من ترون، وأحب الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال»، قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام صلّى الله عليه وسلم في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيّب ذلك .. فليفعل، ومن أحب أن
_________
(1) أخرجه الطبراني في «الكبير» (5/ 269)، و «الأوسط» (4627)، و «الصغير» (1/ 395)، والطبري في «تاريخه» (3/ 86)، والخطيب في «تاريخه» (7/ 108)، وأورده ابن حجر في «لسان الميزان» (5/ 324) وحسّنه، والصالحي في «سبل الهدى والرشاد» (5/ 569)، والبيضة: الأهل والعشيرة، وحصّل: جمع، وتدراكهم: أصلها: تتداركهم، وشالت: تفرقت، والمراد: لا تجعلنا كمن ارتحل عنك وتفرق، وربما يراد بذلك الموت؛ أي: لا تجعلنا كمن مات فلا ينتفع به في الحرب وغيرها، وكمت-جمع كميت-وهو: الخيل الشديد الحمرة، والهياج: القتال، وراهبه: خائفة.

الصفحة 254