كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)
بل يستوي في علمه الداني مع ال ... قاصي وذو الأسرار والاعلان
وهو العليم بما يكون غدا وما ... قد كان والمعلوم في ذا الآن
وبكل شي ء لم يكن لو كان كي ... ف يكون موجودا لذي الأعيان
الشرح:
يعتقد أهل السنة والجماعة بأن اللّه سميع يسمع، هو صفة له قائمة بذاته، وأنه كذلك بصير ببصر زائد على ذاته، فالسمع والبصر صفتان ثابتتان له سبحانه لا كما تزعم الجهمية نفاة الأسماء، من كونه ليس سميعا ولا بصيرا، ولا كما تزعم المعتزلة من كونه سميعا بذاته لا يسمع، وبصيرا بذاته لا يبصر، فإن نفي الأسماء تكذيب بصريح القرآن، وهو كفر، واثبات الموصوف بدون الصفة أو ادعاء أن الصفة عين الموصوف سفسطة.
و يعتقد أهل السنة كذلك أن سمع اللّه يتعلق بكل مسموع مهما دق وخفت، وأن بصره يتعلق بكل مرئي مهما لطف لا يؤثر فيهما بعد مسافة، ولا يمنعهما حجب وأستار، فهو سبحانه مع كونه فوق عرشه عاليا على خلقه يرى أصغر مخلوقاته وهي النملة ويسمع دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى تحرك أجفان خلقه في أغماضها وفتحها، ويسمع كذلك ضجيج أصوات عباده ويميز بينها فلا تتشابه الأصوات عنده ولا تغلطه كثرة المسائل ولا يشغله شأن عن شأن. ويعتقدون أن اللّه عليم بعلم كما قال تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:
166] وكما قال: ولا يُحِيطُونَ بِشَيْ ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [البقرة:
255] وأن علمه متعلق بكل ما من شأنه أن يعلم لا يعزب عنه من ذلك شي ء، فهو يعلم ما يحدث به المرء نفسه، وما يرد على خاطره من الهواجس وان لم يحرك به لسانه، ويستوي في علمه ما قرب وما بعد، وما أسر وما أعلن كما قال تعالى:
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ومَنْ جَهَرَ بِهِ، ومَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ [الرعد: 10] بل يستوي في علمه الماضي والحاضر والمستقبل فهو يعلم ما سيكون مستقبلا، كما يعلم ما قد كان في الماضي، وكما يعلم ما هو كائن الآن، فالاشياء كلها حاضرة لديه، وهو يعلم الكيفيات التي ستكون عليها الأشياء