كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

لكن أصوات العباد وفعلهم ... كمدادهم والرق مخلوقان
فالصوت للقاري ولكن الكلا ... م كلام رب العرش ذي الاحسان
هذا إذا ما كان ثم وساطة ... كقراءة المخلوق للقرآن
فإذا انتفت تلك الوساطة مثل ما ... قد كلم المولود من عمران
فهنالك المخلوق نفس السمع لا ... شي ء من المسموع فافهم ذان
هذي مقالة أحمد ومحمد ... وخصومهم من بعد طائفتان
إحداهما زعمت بأن كلامه ... خلق له ألفاظه ومعاني
والآخرون أبوا وقالوا شطره ... خلق وشطر قام بالرحمن
الشرح:
بعد أن بين أن القرآن كلام اللّه غير مخلوق، وأن اللّه تكلم به على الحقيقة بلفظه ومعناه، ذكر أن أصوات العباد بالقرآن وكتابتهم له، والمداد الذي يكتبون به والورق الذي يكتبون عليه، كل ذلك مخلوق، ولكن المقروء والمكتوب هو كلام اللّه، فإذا قرأ القارئ القرآن. فصوته بالقرآن مخلوق، ولكن القرآن المؤدى بذلك الصوت غير مخلوق، وكذلك إذا كتبه الكاتب في المصحف فالكتابة نفسها فعل الكاتب، وهي مخلوقة، ولكن المكتوب كلام اللّه، فالمقروء بالألسنة والمكتوب في المصاحف والمحفوظ في الصدر هو كلام اللّه عز وجل، فإن طرق الاداء والتعبير قد تختلف وتتعدد، ولكن المؤدى والمعبر عنه بها جميعا شي ء واحد وهو كلام اللّه عز وجل، فإن الكلام انما ينسب لمن قاله مبتدئا لا إلى من بلغه مؤديا.
و هذا الذي ذكره في حكم أصوات القارئين ومداد الكاتبين وأنها مخلوقة، أنما يتأتى اذا كان ثمة واسطة في الأداء والتبليغ، كقراءة المخلوق للقرآن. وأما إذا انتفت تلك الواسطة وكان الكلام مسموعا من اللّه عز وجل مباشرة كما في تكليم موسى عليه السلام، فالمخلوق هنالك هو نفس السمع الذي هو أدرك المسموع، وأما المسموع نفسه فهو كلام اللّه لا شي ء منه بمخلوق، فإنه نعت اللّه وصفته.
هكذا فرق الإمام أحمد والإمام البخاري وغيرهما من أئمة أهل السنة بين

الصفحة 109