كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

كلام اللّه الذي هو غير مخلوق، وبين ما هو من فعل العباد من القراءة أو الكتابة أو الحفظ أو السماع الذي هو مخلوق.
و أما خصوصهم فطائفتان: طائفة الجهمية والمعتزلة، وهؤلاء ذهبوا الى أن القرآن كله بألفاظه ومعانيه مخلوق، وذلك بناء على مذهبهم في نفي الصفات، وزعموا أن اللّه متكلم بمعنى خالق للكلام، فاللّه عز وجل عندهم لا يتكلم بكلام هو صفة له قائمة به، ولكنه يخلق الكلام، أما في الهواء أو في اللوح المحفوظ أو في غيرهما، واحتجوا لمذهبهم بالآيات التي تدل على حدوث القرآن من مثل قوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [الأنبياء: 2] ولا شك أننا لا ننازعهم في الحدوث، ولكنهم يبنون عليه الحكم بأنه مخلوق، اذ كل حادث عندهم مخلوق، فإنهم لم يثبتوا الا قديما واحدا وهو ذات اللّه عز وجل، وما وراءها فهو حادث مخلوق، ولهذا نفوا الصفات فرارا من القول بتعدد القدماء.
و أما الطائفة الأخرى فهم الكلابية والأشعرية، ذهبوا الى أن القرآن ألفاظ ومعان، فألفاظه المتلوة المسموعة المكتوبة في المصاحف حادثة مخلوقة، وأما معانيه المعبر عنها بتلك الألفاظ فقديمة قائمة بذاته تعالى، ويسمونها الكلام النفسي وهو عندهم معنى واحد لا تعدد فيه ولا تبعض.
و هذا هو معنى قول المؤلف رحمه اللّه (و الآخرون) يعني الكلابية والاشعرية أبوا القول بما قاله المعتزلة من أن القرآن كله مخلوق، وقالوا شطره، أي نصفه وهو اللفظ خلق، يعني مخلوق، وشطره الآخر، وهو المعاني قام بالرحمن، يعني أنه صفة له فالمعاني عندهم ترجع الى الصفة القديمة، وأما الالفاظ فحادثة مخلوقة.
زعموا القرآن عبارة وحكاية ... قلنا كما زعموه قرآنان
هذا الذي نتلوه مخلوق كما ... قال الوليد وبعده الفئتان
والآخر المعنى القديم فقائم ... بالنفس لم يسمع من الديان

الصفحة 110