كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)
السموات الذي هو مفعول خلق، ثم أخبر بعد ذلك أنه سخرها بالأمر في قوله مسخرات بأمره ثم قال عقب ذلك الا له الخلق والأمر فدل ذلك على أن الخلق غير الأمر وأنها بعد الخلق سخرت بالأمر، وهذا أمر من الوضوح بمكان.
والأمر اما مصدر أو كان مفع ... ولا هما في ذاك مستويان
مأموره هو قابل للأمر ... كالمصنوع قابل صنعة الرحمن
فإذا انتفى الأمر انتفى المأمور ... كالمخلوق ينفى لانتفا الحدثان
وانظر الى نظم السياق تجد به ... سرا عجيبا واضح البرهان
ذكر الخصوص وبعده متقدما ... والوصف والتعميم في ذا الثاني
فأتى بنوعي خلقه وبأمره ... فعلا ووصفا موجزا ببيان
فتدبر القرآن ان رمت الهدى ... فالعام تحت تدبر القرآن
الشرح:
قد يقول المنازع في المغايرة بين الخلق والأمر ان الأمر هنا مصدر بمعنى المأمور، كما يقال الخلق بمعنى المخلوق، ولا شك أن المأمور لا يكون الا مخلوقا فلا يلزمه التغاير بين الخلق والأمر، فنقول له سواء جعل الأمر هنا مصدرا بمعنى أحد الأوامر، او كان مفعولا فهما سواء في مغايرتهما للخلق والمخلوق، فإن المأمور هو القابل للأمر كالمصنوع لقابل الصنعة، وعلى هذا فالمأمور فرع الأمر، فإذا لم يكن ثمة أمر فلا مأمور كما أن المخلوق الذي هو فرع الخلق ينتفي لانتفاء الحدثان يعني الخلق، فتبين أن الخلق غير الأمر كما أن الفعل غير المفعول، والأمر ينشأ عنه المأمورات والشرائع، وأما الخلق فتنشأ عنه المخلوقات كلها.
و أعلم أن الناظر في سياق الآية الكريمة يجد سرا عجيبا، فإن اللّه عز وجل ذكر خلقه للسماوات والأرض على وجه الخصوص، ثم ذكر تسخيره للشمس والقمر والنجوم بأمره على وجه الخصوص أيضا، وصرح فيهما بالفعل، ثم أتى بعد ذلك بالخلق والأمر وصفين على جهة التعميم في قوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ