كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

اللّه وقوله بآياته وحروفه، فالمعرفة الحقة تقتضي التفرقة بين المتلو الذي هو كلام اللّه وبين المصنوع الذي هو من فعل العبد.
الكل مخلوق وليس كلامه ... المتلو مخلوقا هنا شيئان
فعليك بالتفصيل والتمييز فالا ... طلاق والاجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا ال ... أذهان والآراء كل زمان
وتلاوة القرآن في تعريفها ... باللام قد يعني بها شيئان
يعني به المتلو فهو كلامه ... هو غير مخلوق كذي الأكوان
ويراد أفعال العباد كصوتهم ... وأدائهم وكلاهما خلقان
الشرح:
يعني أن كل ما ذكر مما هو من فعل العبد وصنعه، كصوت القارئ وكتابة الكاتب وما يستخدمه في كتابته من مداد وورق وأقلام فهو مخلوق، وأما كلامه هو سبحانه المتلو بتلك التلاوة أو المكتوب بتلك الكتابة فليس مخلوقا، فيجب أن تفرق وتميز بين الأمرين، وأن لا تحكم حكما إجماليا مطلقا دون تفصيل فإنه ما أفسد هذا الوجود وأوقع الشجار والنزاع بين لطوائف وأضل العقول والأفكار الا عدم التفصيل والبيان، والتحديد لمعاني الألفاظ المجملة التي قد يقع في معانيها احتمال واشتباه. وبعض هذه المعاني يكون صحيحا مرادا، وبعضها يكون فاسدا غير مراد، فتتشبث طوائف المبتدعة بتلك المعاني الفاسدة، وتفسير الألفاظ بها فتقع في الضلال، ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه يعني بتحديد معاني الألفاظ عند مناقشته لفرق الزيغ والضلال، ويطالبهم بتحديد مرادهم منها. وهذا تلميذ النابغة يوصي بما أوصى به شيخه، مبينا أن الفساد كله انما ينشأ عن الإطلاق والاجمال، ففي المسألة التي معنا لا يجوز مثلا إطلاق القول بأن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، بل يجب التفصيل، فإن كان المراد بالقرآن نفس الفاظ القارئ وصوته وأداءه، فذلك ولا شك مخلوق، وأما ان كان المراد به المتلو المؤدى، فهذا كلام اللّه غير مخلوق.

الصفحة 143