كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

و كذلك لفظ التلاوة، إذا عرف باللام كان محتملا لمعنيين أن يراد به المتلو فيكون غير مخلوق كهذه الأكوان المخلوقة، وقد يراد به أفعال العباد من أدائهم وأصواتهم، فهذا مخلوق.
هذا الذي نصت عليه أئمة ال ... إسلام أهل العلم والعرفان
وهو الذي قصد البخاري الرضي ... لكن تقاصر قاصر الأذهان
عن فهمه كتقاصر الافهام عن ... قول الامام الأعظم الشيباني
في اللفظ لما أن نفى الضدين ... عنه واهتدى للنفي ذو عرفان
فاللفظ يصلح مصدرا هو فعلنا ... كتلفظ بتلاوة القرآن
وكذاك يصلح نفس ملفوظ به ... وهو القرآن فذان محتملان
فلذاك أنكر أحمد الإطلاق في ... نفي وإثبات بلا فرقان
الشرح:
يعني أن هذا الذي ذكره من التمييز بين التلاوة والمتلو، وبين الكتابة والمكتوب، هو الذي نصت عليه أئمة الهدى أهل العلم الصحيح والمعرفة الحقة، وهو الذي قصد إليه الامام البخاري المرضي العقيدة والإيمان، ولكن بعض قصار النظر ممن قلت درايتهم بهذه الشئون تقاصروا عن فهم كلامه، ولم يفطنوا الى ما قصده بهذا التفصيل من رفع الإيهام وازالة الالتباس، وخشوا أن يتخذ الجهمية والمعتزلة من كلامه سلما إلى ما يريدون من اثبات أن القرآن مخلوق، وقد جرت بين الإمام البخاري وبين أحمد بن يحيى الذهلي محنة مشهورة سببها سوء فهم الأخير لكلام البخاري وقصده، كما تقاصرت الأفهام أيضا عن قول الإمام أحمد لما سئل: هل لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ فقال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، فأنكروا عليه نفي الضدين عنه واهتدى أولو المعرفة الى سر ذلك النفي وحكمته، وذلك أن كلمة اللفظ من الكلمات المجملة التي لا يجوز الحكم عليها بنفي أو إثبات قبل التفصيل ومعرفة المراد منها، فإنها تصلح أن تكون مصدرا بمعنى التلفظ، وهي بهذا المعنى فعل العبد مخلوق.

الصفحة 144