كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)
هذا ما يزعمه الفلاسفة. ومن العجيب أن يجاري عالم مسلم لقب بحجة الاسلام واشتغل بالرد على هؤلاء المتفلسفة، وهو الغزالي، هؤلاء الضلال في تلك الضلالة فيبيح التأويل للخاصة ويمنع منه العامة، ويؤلف في ذلك كتابا يسميه (الجام العوام عن علم الكلام) ولو أنصف نفسه لكانت عنده أحق بهذا اللجام من سائر الأنام وللّه في خلقه حكمة لا ترام.
لكن حقيقة قولهم ان قد اتوا ... بالكذب عند مصالح الانسان
والفيلسوف وذا الرسول لديهم ... متفاوتان وما هما عدلان
أما الرسول ففيلسوف عوامهم ... والفيلسوف نبي ذي البرهان
والحق عندهم ففيما قاله ... اتباع صاحب منطق اليونان
ومضى على هذه المقالة أمة ... خلف ابن سينا فاغتذوا بلبان
منهم نصير الكفر في أصحابه ... الناصرين لملة الشيطان
فأسأل بهم ذا خبرة تلقاهم ... أعداء كل موحد رباني
وأسأل بهم ذا خبرة تلقاهم ... اعداء رسل اللّه والقرآن
الشرح:
يعني أن حقيقة قول هؤلاء المتفلسفة أن الرسل لم يخاطبوا العامة بالحق الصريح. وأنهم انما جاءوا به في اثواب مزورة مموهة هو نسبة هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى الكذب، ولكنهم يقولون انهم كذبوا للمصلحة، لأن غرضهم هو تنظيم أحوال العامة واصلاح معاشهم، ولا شك أن هذا منهم كفر بالرسل وبالشرائع وقدح في العصمة الواجبة للأنبياء.
و من كفرهم أيضا أنهم يجعلون الفيلسوف فوق منزلة الرسول، ويقولون أن الرسل انما بعثوا للعامة، فهم فلاسفة العوام، ولكن الفيلسوف هو نبي أصحاب العقول من الخاصة الذين يطلبون الحقائق بالبراهين. والحق عندهم فيما قاله أرسطو صاحب المنطق وأتباعه من المشائين، لا فيما قاله رسل رب العالمين.
هذا ما قاله ابن سينا، ذلك الفيلسوف الملحد، ومضت عليه أمة من بعده