كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه
وحسبك من مذهب قبحا وشناعة أن يجعل اللّه عز وجل هو المتكلم بكلام سائر الخلق من جن وأنس وغيرهما، مع اشتمال هذا الكلام على أنواع من القبائح والمنكرات لا يعقل صدورها عن الحق جل شأنه، كالزور والكذب، والشتم والسب، وقذف المحصنات، وأنواع الأغاني بما فيها من فحش وخلاعة، والنياحة ورقي السحر وتعازيمه، وما إلى ذلك من البهتان والهذيان، فيقول عاقل أن هذا الكلام الباطل صادر عن اللّه؟ وهو الذي لا يأمر بالفحشاء، وهو الذي تمت كلماته صدقا وعدلا لا مبدلا لكلامه، وهو الذي قوله الحق وله الملك، ولكن هؤلاء الزنادقة من الاتحادية يلزمهم أن يقولوا ذلك بناء على أصلهم الخبيث الذي أقاموا عليه بناءهم المكسح المنهار.
اذ أصلهم أن الاله حقيقة ... عين الوجود وعين ذي الأكوان
فكلامها وصفاتها هو قوله ... وصفاته ما هاهنا قولان
وكذاك قالوا أنه الموصوف بالض ... دين من قبح ومن إحسان
وكذلك قد وصفوه أيضا بالكما ... ل وضده من سائر النقصان
هذي مقالات الطوائف كلها ... حملت أليك رخيصة الأثمان
وأظن لو فتشت كتب الناس ما ... ألفيتها أبدا بذا التبيان
زفت أليك فإن يكن لك ناظر ... أبصرت ذات الحسن والاحسان
الشرح:
يعني أن الأصل والمبدأ الذي اتفق عليه هؤلاء الاتحادية والذي بنوا عليه كل شناعاتهم أن الاله في الحقيقة هو عين هذا الوجود الظاهر، وهو عين هذه الأكوان المخلوقة، وحينئذ فيكون كلام هذه المخلوقات وصفاتها هي عين كلامه وصفاته، اذ كانت هي عينه، ويكون كذلك هو نفسه الموصوف بالضدين حين يقال هذا حسن وهذا قبيح، اذ ليس ثمة غيره، ويكون أيضا هو الموصوف بالكمال وضده وهو النقص، لأنه عين الموصوف بكل منهما، فهو

الصفحة 152