كتاب شرح القصيدة النونية = شرح الكافية الشافية - ط العلمية (اسم الجزء: 1)

يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا [الأعراف: 148] وقال حكاية عما قاله إبراهيم عليه السلام لقومه: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [الأنبياء:
63].
فدلت هذه الآيات الكريمة على أن الفعل والتكليم مفقودان من هذه الأوثان وفقدهما يدل على أنها ليست بآلهة حقة، بل هي آلهة باطلة، ومعلوم أن اللّه إله حق دائما، ولا يكون كذلك إلا إذا كان موصوفا بالفعل والتكليم دائما لأن فاقدهما لا يكون إلها حقا كما تقدم، فكيف يجوز أن يقال ان هذين الوصفين اللذين عليهما مدار الالوهية مسلوبان عنه أزلا، ومعلوم أن الأزل لا غاية له ولا نهاية، هذا من أمحل المحال وأعظم البطلان.
ان كان رب العرش حقا لم يزل ... أبدا إله الحق ذا سلطان
فكذاك أيضا لم يزل متكلما ... بل فاعلا ما شاء ذا احسان
واللّه ما في العقل ما يقضي لذا ... بالرد والابطال والنكران
بل ليس في المعقول غير ثبوته ... للخالق الأزلي ذي الإحسان
هذا وما دون المهيمن حادث ... ليس القديم سواه في الأكوان
واللّه سابق كل شي ء غيره ... ما ربنا والخلق مقترنان
واللّه كان وليس شي ء غيره ... سبحانه جل العظيم الشأن
الشرح:
فإذا كان اللّه لم يزل ولا يزال له الالهية الحقة والسلطان الأعظم، فيجب كذلك أن يكون لم يزل متكلما بما شاء وفاعلا لما شاء، ولم يزل محسنا برا رحيما، وليس في العقل ما يحيل هذا أو يأباه، كيف والعقل إنما يقتضي ثبوته للخالق جل وعلا، لأنه يقر له بالأزلية ذاتا وصفات. والأزلية تنافي حدوث الصفات وابتداؤها في ذاته، ولا يلزم من القول بقدم الفعل القول بقدم شي ء من المفعولات، فإن اللّه هو وحده القديم، وكل ما سواه حادث، وليس وجود الأشياء مقارنا بوجوده، بل وجوده سابق عليها جميعا كما جاء في الحديث «كان

الصفحة 166